قد يكون الحديث عن وجود عدد لا بأس به من العاملين الأطفال في المخيمات الفلسطينية، وتحديداً في الرشيدية منها، «عادياً» في ظل الحصار المعيشي والتمويلي المفروض عليهم، إذ إن المشكلة لا تكمن هنا في الأرقام غير المحددة رسمياً حتى الآن، بقدر ما تتعلق بظروف هذا العمل القاسية، التي تطاول الفئة الأصغر سناً، وبالتالي الأقل قدرة على الدفاع عن نفسها، في المخيم، ما يعرضها لأنواع فظيعة من الاستغلال، دون أن يتسنى لها الاحتجاج، ما يعيدنا قروناً إلى الوراء، لدرجة يصبح استحضار وصف فيكتور هيغو في روايته الشهير «البؤساء» لما كان يحصل في ايامه للأولاد، لا يختلف كثيراً عما يحصل لأطفال الرشيدية.

علاء، ابن العشر سنوات، هو أحد هؤلاء «البؤساء » الجدد. قرر علاء منذ نحو سنة تقريباً التخلّي عن علبة أقلامه وحقيبة كتبه المدرسية، أو بحسب تعبيره «وجع الراس» لينضم إلى صفوف «الاطفال الكادحين» في المخيم. توفرت له فرصة عمل في أحد «كاراجات» تصليح السيارات القريب من منزله، فعدّ نفسه محظوظاً لتمكنه من توفير مصاريف النقل. هكذا يستجمع علاء يومياً كل ما أوتي من طاقةٍ في جسدٍ لا يزال في طور النمو، ليصبّه في عمله الشاق. تبدو علامات هذا العمل المرهق جليّة على شرايين هذا الطفل التي تنتفض وتنتفخ بوضوح في جسده النحيل، مستاءة من الأشياء الثقيلة التي يقوم بحملها أو نقلها خلال قيامه بعمله، وهي احياناً كثيرة تفوق وزنه الضئيل بأضعاف. إلى ذلك فإن أوقات العمل غير محددة، فهي قد تبدأ في الثامنة والنصف صباحاً، لتنتهي في ساعات متأخرة من الليل. ساعات عمل لا يتحكم بتحديدها الا «ضغط الشغل» كما يقول الصبي الذي كبر قبل أوانه. يعترف علاء بأن عمره الفتي لا يحميه من شتائم وسباب رب العمل، وأصناف «التأنيب». وكل ذلك يتحمله هذا الطفل من أجل 15 ألف ليرة يتقاضاها أسبوعياً، أي 60 ألف ليرة شهرياً! وهو مبلغ على ضآلته، يحاول علاء ادّخار جزء منه، من أجل فتح «كاراج» مستقبلاً. وما يعنيه هذا الكلام، أن «التسرب» من المدرسة اصبح نهائياً، وأن فكرة العودة إلى المدرسة خرجت من الحسبان. «بدي عيش» يقول الصغير، مقلداً ما يكون قد سمعه من الكبار في عائلته على الأرجح، ليس من دون قناعة. بمعنى آخر، بات يترتب على هذا الولد أن يعتمد على نفسه، لسوء حال عائلته مادياً.
في زاوية أخرى من المخيم، في منزله حيث يتماثل للشفاء، يستقبلنا حسن الاحمد. وحسن، الذي يبلغ الحادية عشرة من عمره «عاطل من العمل حاليا». اما السبب؟ فتعرضه لحادث عمل أثناء قيامه بمساعدة معلمه المعمرجي في ورشة بناء. يومها انقلبت عليه الحجارة فأصابت عظام رجله الطريّة بعدة كسور في مواضع مختلفة لا يزال مقعداً بسببها. ومع ذلك «أوّل ما أشفى رح إرجع عالشغل»، يقول. بالطبع لا احد يدفع مصاريف طبابته جراء حادث العمل هذا. يتحمس لفكرة أنه سيعود الى العمل، لكنه يقول متحمساً «هذه المرة ساجمع الخردة»، وهي «مهنة حرة» يلجأ إليها الكثير من أبناء المخيم، ومنهم قسم كبير من الأطفال. وعلى خطورتها، تبقى بحسب الأحمد «أسهل من الشغل بالبناء والورش» حيث سلامة العاملين آخر ما يهم المقاول. «المهم طلّع مصروفي»، يقول الصغير. فوالده يعمل مياوماً وبالكاد يؤمّن لقمة العيش لعائلته المؤلفة من 7 أفراد. لكن ماذا عن المدرسة؟ «ولَشو؟» يجيب حسن مستهزئاً؛ ثم يبرر بالقول أن الكثير من أقاربه يحملون شهادات «بدون فايدة»، فهم لا يجدون فرصة عمل تتناسب وتحصيلهم العلمي. هكذا ختم الصبي على حياته الدراسية بالشمع الأحمر في الثالث أساسي، بسبب «الإرهاب الذي يمارسه علينا الأساتذة» كما يقول، «وأنا أصلاً ما كتير نافع بالمدرسة».
ولجمع الخردة، يذهب الكثير من الأولاد والفتيان إلى البساتين المحاذية لمخيم الرشيدية، «لكن هذا العمل يبقى موسمياً»، يشرح علي الأحمد (16 سنة)، الذي قضى نصف حياته في العمل في مجالات متعددة، في محل حدادة، أو كاراج، أو في صالون «حلاقة»، إلى أن استقر الآن على مساعدة والده في جمع الخردة. وفي جميع الأحوال، فإن جلّ ما يتقاضاه علي من بدلات لا يتجاوز 60 ألف ليرة شهرياً.
هكذا تعيش فئة كبيرة من أطفال المخيم، خارج أدنى حماية مكفولة للأولاد، تقرّها جميع الشرائع والاتفاقيات الدولية. فوفقاً لدراسة عينية أجرتها جمعية «نبع» وتناولت المتسربين من المدارس في مخيم الرشيدية، تبين أن من أصل 345 طفلاً، هناك 30% بالمئة يعملون، علماً أنه وفقاً للدراسة عينها، فإن معظم المتسربين العاملين هم من الذكور، لكون غالبية الإناث تلازم المنزل، خصوصاً لدى الفئات العمرية الصغيرة. ويرجّح مدير مركز التنمية المجتمعية في نبع، علي سلام، «أن نسبة التسرب في المخيم تفوق 700 طفل لتزيد معها نسبة العمالة، خصوصاً أن معظم الأهالي في المخيم وأثناء إجراء هذه الدراسة لم يعترفوا إلا بولد واحد متسرب لديهم». ويتابع سلام مستفيضاًً «إن سن العمالة تبدأ لدى هذه الفئة من عمر التسع سنوات، يعملون في شتى أنواع الأعمال القاسية، بالنسبة إلى بنيتهم وفي ظروف صعبة، بحيث يتعرضون يومياً لأخطار جسدية ـــــ صحية لا تعدّ ولا تحصى، في المقابل يتقاضون أجوراً جد زهيدة، ويتعرضون لأبشع انواع الاهانات من رب العمل، كل ذلك يعد انتهاكاً صارخاً يخالف القوانين والمعاهدات والأعراف الدولية، لا سيّما تلك المتعلقة باتفاقية حقوق الطفل التي وقّع عليها لبنان، علماً أن الاتفاقيات الدولية هي أسمى من القوانين الداخلية، بيد أن الدولة تتنصل من هذه المسؤولية على اعتبار أنها غير معنية بالفلسطينيين، علماً أن المجلس الأعلى للطفولة التابع لوزارة الشؤون الإجتماعية، خصّ اللاجئين في الكثير من البنود في تقريره المرفوع للجنة الدولية لحقوق الطفل». من هنا يحمل سلام «السلطات اللبنانية مسوؤلية الوضع المأسوي الذي وصل إليه هؤلاء، لا سيما في ظل فرض الخناق على الفلسطينيين بحرمانهم من العمل وما شابه ذلك، وهو ما يؤدي بالطبع إلى إنعدام الحوافز لمتابعة تحصيلهم العلمي، وكذلك يتحمل كل من وكالة الأنروا المسؤولة عن رعاية اللاجئين، وأرباب العمل الذين يعمدون إلى استغلال هذه الفئة قسماً كبيراً من المسؤولية».
ويرى سلام أن طرائق وأساليب التعليم في مدارس الأونروا تساهم بنحو كبير في «نفور الطلاب وتسربهم واللجوء إلى العمل، من هنا ينبغي أن تكون المدارس صديقة للطفل لا العكس، كما أن إنشاء مركز للتدريب المهني في المخيم كالموجود في سبلين، من شأنه أن يساهم كثيراً في امتصاص البطالة».




[في سياق ملاحظات اللجنة الدولية لحقوق الطفل، حول التقارير الوطنية لوضع الأطفال في لبنان، المنظم من المجلس الأعلى للطفولة، أوصت اللجنة لبنان ، بأن تسعى بالتعاون مع وكالة الأنروا إلى سبل معالجة المشاكل الاجتماعية – الإقتصادية الموجودة في أوساط الأطفال الفلسطينيين والتي تؤثر سلباً عليهم، ومن هذا السبيل شمول الأطفال بالبرامج الإنمائية. وذلك بعد أن أبدت اللجنة قلقها إزاء الحالة المأساوية التي يرزح تحتها هؤلاء، «بيد أن أياً من هذه السبل لم يسلكها لبنان حتى اللحظة، باعتبار أن المخيمات هي خارج حدود سلطاته، وتالياً خدماته»، تعلق الناشطة الحقوقية سناء عبد الله.