دمشق | غياب شبه كامل لمظاهر الاحتفال بقدوم شهر رمضان تعيشه العاصمة دمشق والمناطق المحيطة بها، كما هي الحال في مجمل المحافظات والمدن السورية التي عاشت أحداثاً أمنية، وعمليات دهم وحملات اعتقال، وتظاهرات ومواجهات مع أجهزة الأمن المختلفة، سقط على أثرها عشرات القتلى والجرحى قبل أيام قليلة من قدوم شهر المغفرة والتسامح.


«الأخبار» قامت بجولة لقراءة أوضاع عاصمة الأمويين، قبل ساعات قليلة من بداية شهر رمضان، وخصوصاً بعدما أطلقت دعوة على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» من أجل «الزحف والاعتصام في ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق في أول أيام شهر رمضان»، وذلك بالتزامن مع دعوات مختلفة من أجل التظاهر يومياً بعد صلاة التراويح، ما تطلّب تصعيداً أمنياً غير مسبوق قامت به وحدات مختلفة من الجيش السوري، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، عندما أغلقت مناطق مختلفة محيطة بالعاصمة، وكثفت توزيع الحواجز الأمنية على جميع مداخل العاصمة، للبحث عن قوائم من المطلوبين الأمنيين.
البداية كانت بالقرب من محطة انطلاق السومرية جنوب العاصمة دمشق، حيث تتخذ السلطات إجراءات أمنية مشددة. أما عن أسباب هذا التصعيد والتفتيش الذي تتعرض له السيارات مترافقاً مع تدقيق في هوية مستخدميها، فيجيب سائق سيارة أجرة بأن «هذا يحدث بالقرب من جميع المناطق التي شهدت خروج تظاهرات في الأيام الأخيرة. وعلى الرغم من الاعتقالات الكثيرة في الفترة الماضية التي شهدتها المناطق والضواحي المحيطة بالعاصمة، يبدو أن قوائم المطلوبين في ازدياد مستمر».
أما بالقرب من مركز العاصمة، ومن مكتب «الجزيرة» الواقع في منتصف أوتوستراد المزة، أحد أهم الطرق المؤدية إلى دمشق، فقد احتشد العشرات من المؤيدين للنظام السوري للتظاهر والتنديد بسياسة «القناة العميلة والخائنة»، كما أظهرت اللافتات التي حملوها. واتهمت الشعارات التي أطلقوها «الحكومة القطرية بالتآمر على النظام السوري، من أجل تحقيق المشاريع الأميركية والصهيونية». وأكد أحد المتظاهرين «سنبقى نتظاهر يومياً، للاستنكار والتنديد بما تعرضه هذه القناة العميلة التي تسهم إلى حد كبير جداً في تزييف الحقيقة وتأجيج الأحقاد الطائفية بين أبناء الشعب السوري الذي كان ولا يزال يعتبر السيد الرئيس بشار الأسد قائداً للمقاومة ورمزاً للكرامة العربية لا لسوريا وحدها».
ليس من السهل أن تسأل أحد المواطنين عن رأيه أو وجهة نظره في الأحداث السورية. فالشارع الآن يعيش حالة غير مسبوقة من التوجس والحس الأمني العالي. والسيناريو المتوقع في حال الإجابة على أي سؤال يتعلق بمجريات الأحداث أو حتى فتح نقاش معه من الممكن أن يودي بصاحبه إلى الاعتقال.
ووسط هذه الأجواء، أبدى سائق سيارة الأجرة استياءه من الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيشها، مشيراً إلى أن «موسم السياحة والاصطياف قد تضرر تضرراً كاملاً بسبب الأحداث الأمنية الأخيرة. «اليوم مثلاً لم أستطع جني ربع ما كنت أحققه في الأيام العادية، فما بالك بموسم السياحة والاصطياف؟». ويضيف «أؤكد لكم أنه لم أقلّ أجنبياً واحداً أو سائحاً عربياً منذ أكثر من 4 أشهر».
في مثل هذه الأيام كانت تنتشر على لوحات الإعلان عروض وخفوضات بالجملة تقدمها مجمل المطاعم والفنادق بمختلف مستوياتها، لاجتذاب الزبائن على موائدها الرمضانية، لكنها استبدلت اليوم بالشعارات الوطنية التي تحاول عبرها الجهات الاقتصادية والشعبية تأكيد الوحدة الوطنية و«وقوفها إلى جانب النظام السوري، قائداً وحكومة وشعباً واحداً».
واللافت أيضاً تلك العروض والتنزيلات الكبرى التي قدمتها الفنادق والمنتجعات السياحية لزبائنها، والتي تؤكد أن «الموسم السياحي هذا العام يمر في أزمة حقيقية من الممكن أن تسبّب ضربة قوية للاقتصاد السوري». هذا ما أكده أحد العاملين في واحد من أكبر فنادق دمشق وأعرقها، مشيراً إلى أنه «جرى تسريح عدد كبير من الموظفين والعاملين في الفندق لأسباب غير مقنعة، برّرتها الإدارة بالأزمة الاقتصادية العالمية!». ويضيف «حاول بعض العاملين المسرّحين العمل في فنادق أخرى، لكنهم وجدوا زملاء لهم قد طردوا من عملهم أيضاً». ولدى سؤاله عن الحركة السياحية عموماً، وعن استعدادات الفندق الذي يعمل فيه لاستقبال شهر رمضان أجاب «الفندق شبه فارغ من السياح الأجانب، فهم وحدهم من تعتبرهم الإدارة الرافد الاقتصادي الأول للفندق». ويضيف «عادة ما يعتبر شهر رمضان حدثاً استثنائياً لجذب الزبائن العرب والأجانب، لكن هذا العام كانت الاستعدادات خجولة جداً، أكدتها التنزيلات الكبيرة في الأسعار، على عكس بقية الأعوام التي من الصعب حقاً أن تجد غرفة فارغة في الموسم السياحي، فما بالك بشهر رمضان أيضاً».
بالقرب من فندق سميراميس، لم يكن هناك داع للسؤال عن سبب توقف السير على نحو شبه كامل. احتفال حاشد ضمّ عشرات الآلاف من المؤيّدين للنظام السوري يقام يومياً بالقرب من محطة الحجاز، كان كافياً لتعطيل حركة السير، والتسبّب باختناقات مرورية في الشوارع المحيطة. حلقات الدبكة والرقص والغناء، أصوات مرتفعة من مكبرات الصوت، تهتف لحياة بشار الأسد، وشقيقه ماهر، والجيش السوري ولنصرتهم وتأكيد الولاء لهم.
أما على مسافة ليست ببعيدة عن مكان الاحتفال الحاشد، فقد شيّع أهالي ضواحي دمشق القريبة قتلاهم الذين سقطوا على أيدي أجهزة الأمن السورية يوم الجمعة الماضي، بينما تقبع العديد من المناطق الأخرى تحت السيطرة الأمنية وحملات الدهم والاعتقالات، في محاولة جادة ومختلفة يقوم بها النظام السوري للسيطرة على الموقف، قبل الدخول في شهر رمضان، أو مع أيامه الأولى.
وتوحي حالة الهدوء والسكون المسيطرة في منطقة جسر الرئيس، إحدى أهم محطات الانطلاق في العاصمة، والتي تربط المدينة بمجمل ضواحيها ومناطقها المختلفة، أن حركة القدوم أو المغادرة من العاصمة دمشق وإلىها، ضعيفة جداً، أو حتى أقل ممّا هي عليه في الأيام العادية.
حالة مشابهة من الهدوء عاشتها أسواق دمشق العريقة، مثل مدحت باشا والبزورية، المتخصصة في بيع المواد الغذائية الأولية، «كأنه يوم عادي تماماً، حركة البيع أقل بكثير مما كانت عليه في السنوات السابقة، قبل أيام قليلة من قدوم شهر رمضان»، يخبرنا أبو أحمد الرجل الستيني، صاحب أحد أقدم المحال التجارية في سوق البزورية. ويضيف «تردّدت كثيراً قبل ملء مستودعاتي بالأرز والسكر والطحين، كما فعل جيراني في السوق، استعداداً لشهر رمضان الذي نبيع فيه أضعافاً مضاعفة عن بقية أشهر العام».
ولدى سؤاله عن السبب في ضعف حركة البيع، أجاب «ربما فضّل الزبائن شراء حاجياتهم من المحال والأسواق القريبة من أماكن سكنهم، بسبب الظروف الأمنية التي نعيشها. فمعظم زبائني من ضواحي دمشق، أو من القرى والمناطق القريبة منها». سبب إضافي يتحدث عنه أبو أحمد قائلاً «ربما الارتفاع المفاجئ الذي طرأ على أسعار بعض المواد، أجبر البعض على عدم شراء كميات كبيرة وتخزينها للشهر الفضيل، كما جرت العادة في كل عام».
أما في مقهى الكمال الشعبي الدمشقي، فالأجواء كانت بدروها كافية لتقديم إحدى الصور والمشاهد التي تعيشها دمشق على أبواب شهر رمضان. الكاتب والصحافي عثمان جحا، فضّل الهروب من مقهى الروضة حيث «بات الحديث عن الأحداث السورية الشغل الشاغل للجميع. وجهات نظر مختلفة وقراءات متناقضة لما يحدث في المدن والمحافظات السورية»، هذا ما تستمع إليه أثناء جولة قصيرة بين طاولات مقهى الكمال، وربما جميع مقاهي دمشق أيضاً.
بالقرب من البرلمان السوري، يقع سوق الصالحية الشهير ببيع الألبسة الجاهزة، وإن كان الوقت لا يزال مبكراً لنشاط هذا السوق، الذي يشهد ازدحاماً شديداً في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، لكن ظاهرة غريبة تستوقف الزائر. بعض متاجر الألبسة تعلن خفوضات كبرى على بضائعها، ما سبّب احتشاد عدد كبير من الزبائن لشراء ألبسة العيد. ولدى سؤال صاحب أحد المتاجر عن أسباب الخفض، أجاب «لا أحد يعلم ما تخفيه لنا الأيام الآتية. الناس بات همهم الآن تأمين الطعام والشراب أكثر من شراء الألبسة». ويضيف «أنا فضّلت البيع بربح بسيط جداً، على أن ينتهي موسم الأعياد وأعيد البضاعة إلى المستودعات. فقد تسبب لي هذه العملية خسارة مضاعفة. على التاجر الآن أن يفكر في المستقبل القريب الذي لا أتوقعه مبشّراً أبداً».




تفاؤل البسطات

يحتفظ أصحاب البسطات التي انتشرت في مجمل شوارع دمشق الرئيسية ببعض التفاؤل. مازن صاحب بسطة ألبسة بالقرب من مدخل جامعة دمشق يقول «دائما وأبداً كنا نلعب لعبة القط والفأر مع عناصر الشرطة الذين يصادرون بسطاتنا المتواضعة من أرصفة دمشق، بحجة تطبيق القانون، لكن الآن الأمر مختلف تماماً».
المتخرّج الجامعي الذي تقدم إلى العديد من الوظائف الحكومية قبل أن يجد نفسه أخيراً على أرصفة دمشق، يبيع الألبسة متوقعاً أن يحقق «أرباحاً كبيرة هذا العام»، قائلاً «في رمضان الماضي صودرت بضاعتي مرات عدة، ما سبّب لي خسائر كبيرة. الآن أعمل أنا وشقيقي بالتناوب ليلاً ونهاراً بعد أن تعمّد عناصر الشرطة تجاهلنا، منعاً من حدوث مصادمات قد تتحول إلى تظاهرة وسط العاصمة».