تكاد تكون المشاورات، التي تولاها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة جمال بن عمر خلال الأيام الماضية مع مختلف الأطياف السياسية، الفرصة الأخيرة المتوافرة لليمنيين لإيجاد حل سلمي للأزمة المستمرة منذ كانون الثاني الماضي. وفي ظل غياب أي مؤشرات على نجاح بن عمر في إقناع الأطراف اليمنيين بالجلوس على طاولة مفاوضات للوصول إلى حل يرضي الجميع، كان المبعوث الأممي حاسماً قبيل مغادرته اليمن أول من أمس، في تحذيره من خطورة الأوضاع التي تمر بها البلاد، ولا سيما أن أفق الحلول السلمية يتراجع لمصلحة احتمالات أخرى، بينها الحرب.

حرب قد يكون انطلاقها مضبوط التوقيت، في ظل ما يتردد عن أن البعض بات يشير إليها كخيار وحيد باق، يمكن التعويل عليه لكسر حالة الجمود المسيطرة على البلاد منذ مدة، وإجبار حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم والمعارضة على الجلوس على طاولة المفاوضات، وخصوصاً أن الأوضاع في اليمن لم تعد تحتمل المزيد من المماطلة.
أما نطاق الحرب وموعد انتهائها، في حال وقوعها، فلن يكون في مقدور أحد التكهن بهما، وخصوصاً أن خيوط الأزمة اليمنية تتشعب في اكثر من اتجاه.
وبعدما كانت الأزمة محصورة بين حزب حاكم متمسك بالسلطة ومعارضة تسعى إلى التغيير، أدى طول أمد الاحتجاجات إلى بروز مشكلات اضافية، في مقدمتها انقسام المعارضة على نفسها وانفلات الوضع الأمني في البلاد.
فالمعارضة لم تستطع بلورة رؤية موحدة للتعاطي مع تطورات الأوضاع، في ظل إصرار بعض أطرافها على التمسك بالمبادرة الخليجية، التي دخلت مرحلة الموت السريري منذ أكثر شهرين، ومطالبات أطياف أخرى داخلها بتصعيد جدي يجبر النظام على الرضوخ لمطالب المحتجين.
كذلك تكاد المسافة الفاصلة بين المعارضة والحزب الحاكم تعادل تلك الفاصلة بينها وبين شباب التغيير، في ظل التقاء الطرفين على ضرورة إسقاط النظام وخلافهما على الخطوات الواجب اتباعها، وهو ما أدى إلى وقوع بعض شباب الساحة في فخ استباق ما ستؤدّي إليه مشاورات المعارضة لجهة إعلان مجلس وطني، وإنشاء مجلس انتقالي، قبل أن يتبين أن هذا المجلس، الذي لم ينجح في إحداث التغيير المنشود، لن يكون سوى باكورة لمجالس متعددة، ما يهدد بإضافة مزيد من التشرذم إلى ساحات التغيير.
أما البؤر الأمنية المتوترة، فرقعتها آخذة في التوسع، ولم تعد محصورة في الجنوب، حيث الاقتتال بين مسلحين يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم القاعدة والجيش المدعوم من القبائل. فمحافظة الجوف تشهد منذ أيام معارك دامية بين فصيلين من فصائل المعارضة، الحوثيين والحزب اليمني للإصلاح.
وعلى الرغم من محاولة الطرفين حصر المعارك في بعدها المحلي، فإن موقع المحافظة القريب من الحدود السعودية والقتال الشرس الدائر فيها من جانب الطرفين، في محاولة منهما لإحكام السيطرة عليها بشتى السبل، أعادا الحديث عن وجود خلفيات إقليمية للمعارك في هذه المنطقة.
كذلك عاد التوتر الأمني إلى محيط العاصمة اليمنية صنعاء. ويعايش اليمنيون منذ أيام فصلاً جديداً نتيجة المعارك الدائرة بين مسلحين قبليين وقوات الحرس الجمهوري في محافظة أرحب. وبعدما تمكن القبليون من الدخول إلى معسكر الصمع التابع للحرس الجمهوري، الذي يبعد عن مطار صنعاء الدولي نحو 25 كيلومتراً، باتوا اليوم يهددون بضرب المطار، فيما لجأت أول من أمس مجموعة من القبائل إلى إعلان تأسيس «تحالف قبائل اليمن»، متعهدة تأييد الثورة وحمايتها.
واللافت أن المراسم أُقيمت في مقر الفرقة الأولى مدرع، التي يقودها اللواء علي محسن الأحمر، وبرعاية من شيخ مشايخ حاشد صادق الأحمر، الذي عين رئيساً للتحالف الجديد، وتعهد أمام المشاركين «أن علي عبد الله صالح لن يحكمنا ما حييت»، في محاولة إضافية من آل الأحمر لإحكام سيطرتهم على أوضاع العاصمة صنعاء.
فثلاثي آل الأحمر، الممثل في شيخ مشايخ قبائل حاشد، وشقيقه القيادي الرئيسي في حزب الإصلاح، حميد، إلى جانب علي محسن، الرجل القوي داخل المؤسسة العسكرية، الذين لطالما مثّلوا ركيزة للنظام، برعوا في اختيار اللحظة المناسبة للابتعاد عنه، والانتقال إلى صفوف المعارضة قبل محاولة الهيمنة عليها. وسط هذا التخبط الذي وقعت فيه المعارضة، وحده الحزب الحاكم نجح في إعادة ترتيب أوراقه. ومثّلت محاولة اغتيال الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، في حزيران الماضي، فرصة إضافية للنظام نجح خلالها في كسب المزيد من الوقت، بعدما أظهرت المعارضة عجزها عن استغلال الفرصة التي أُتيحت لها للإمساك بزمام البلاد في ظل غياب معظم أركان الدولة عن البلاد، من رئيس الجمهورية إلى رئيسي مجلس النواب والشورى، فضلاً عن رئيس الحكومة.
أما الرئيس اليمني، فمنح نفسه الحق في التنصل مرة إضافية من المبادرة الخليجية، ووضعِ شروط جديدة للحوار. حيث تمسك بضرورة الاحتكام إلى صناديق الانتخابات، رافضاً أي محاولة لإجباره على التنحي عن السلطة وتسليم سلطاته إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، مستفيداً من غياب ضغط حقيقي إقليمي أو دولي لإجباره على التنحي.
الولايات المتحدة، ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، إلى جانب السعودية، أثبتت حتى اللحظة أنها غير متعجلة في إسقاط الرئيس اليمني. وبينما لم تحتج الدول الغربية إلى أكثر من أسابيع محدودة لإطلاق عملية عسكرية في لبيبا، والدفع بعجلة العقوبات الاقتصادية بحق مسوؤلين وشركات سورية، لم تلجأ إلى أي محاولة ضغط حقيقية على النظام.
أما السعودية، الراعي الأول للنظام اليمني، والعديد من الأطياف الأخرى، بما في ذلك قوى موجودة داخل المعارضة، فتفضل على ما يبدو التريث لضمان أن من قد يصل إلى السلطة في اليمن لن يمثّل أي تهديد لمصالحها.