حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على مدار الأشهر الماضية، التأكيد أنّ الدولة العبرية مختلفة عن غيرها من الدول في الشرق الأوسط، وأنّها «الديموقراطية» الوحيدة التي «تحافظ على حقوق الإنسان». وتباهى خلال مقابلة أجراها قبل شهور بأنّ هناك «دولة واحدة لا احتجاجات فيها وهي إسرائيل»، مضيفاً إنّ الدولة العبرية «دولة متطورة، كلهم (مواطنوها) متساوون أمام القانون، ولديها مجتمع قوي»، لكن جاءت الاحتجاجات التي ملأت الشوارع على مدار الأسابيع الماضية بسبب غلاء المعيشة والسكن، والتي رفعت لافتات تقول «الربيع الإسرائيلي» لتنسف ادّعاءاته.

إنّ أحداً لا يستطيع الإنكار أنّ ما يجري اليوم في ساحات المدن الإسرائيلية الكبرى هو القضية الأصعب التي تواجهها حكومة نتنياهو منذ انتخابه في عام 2009. صحيح أن الأزمة لم تؤدّ حتى الآن إلى استقالة سياسيين أو تقريب موعد الانتخابات، لكنّها أدّت الى استقالة المدير العام لوزارة المال، واهتزاز صورة نتنياهو، المقرّب من رؤوس الأموال عموماً والمنشغل أخيراً بـ«تهديدات» سياسية مثل إيران وغيرها، فيما غلاء المعيشة يستشري داخل المنطقة التي يحكمها.
لا شك أنّ هناك خلافات جوهرية لا تقبل المقارنة بين ما يجري في العالم العربي وما تعيشه الدولة العبرية من احتجاجات.
وعلى الرغم من تقليد الإسرائيليين لما يجري في العالم العربي، بدءاً من الشعار «الشعب يريد عدالة اجتماعية»، وصولاً الى تسمية البعض لساحة الاعتصام بأنّها «ميدان التحرير التابع لنا»، فإن الاحتجاج الإسرائيلي لا يزال يبتعد عن جوهر سياسة الدولة العبرية.
قادة الاحتجاج ماضون نحو اعتبار احتجاجهم «ليس سياسياً»، ويتجنبون أصلاً مهاجمة الطبقات اليمينية والمستوطنين، واليمين ممن يحظون بدعم رئيس الوزراء، ما يجعل الاحتجاج بعيداً عن جوهر الشعارات المرفوعة. لكن في الأيام القليلة الماضية، بدأ عدد من المحللين السياسيين بانتقاد السياسة الحكومية وانشغالها بالاستيطان على حساب ما يجري في الداخل. آراء لا تزال قليلة للغاية، وغير مسموعة.
ليلة السبت، تظاهر أكثر من 150 ألف إسرائيلي، في مناطق مختلفة من دولة الاحتلال، في آخر حلقات الاحتجاجات التي بدأت منذ أسابيع. الخطوة التي بدأت باعتصام صغير، تشعبت إلى جهات لا يرغب نتنياهو، في هذه المرحلة تحديداً، في أن يخوضها. ففيما يطالب المتظاهرون بحلول فورية لأزمة غلاء أسعار الإسكان، يعي رئيس الوزراء أنّ الحل لن يكون سحرياً، وخصوصاً أن ما يجري اليوم هو نتاج أعوام مضت، ونتاج نهج اقتصادي سياسي دفع بالشارع الى الانفجار.
يحاول نتنياهو ومعاونوه تقزيم ما يجري. فوجدوا أن لا غلاء للوقود كما كان مفترضاً في هذه الأيام، وقاموا بتأليف لجان تُعنى بالأزمة الخانقة. لكنّ هذا لم يمنع حتى الآن من تصاعد الاحتجاجات، التي تقتصر على الغاضبين من غلاء المعيشة؛ فبموازاة ما يجري، هناك اعتصام لا يقل أهمية للأطباء الذين يطالبون بتحسين ظروف عملهم.
المعارضة الحكومية برئاسة تسيبي ليفني، وجدت منفذاً لمهاجمة نتنياهو. وطالبت بعدم خروج الكنيست الإسرائيلي الى العطلة الصيفية كي يتسنى طرح الموضوع. لكن على ما يبدو، فإنّ نتنياهو لن يقبل بمثل هذا الاقتراح كي يتجنب خطابات في الكنيست ضدّ حكومته أو اقتراحات لنزع الثقة عنها. دلائل تشير إلى أن نتنياهو في أزمة حقيقة لن يخرج منها بسهولة.