الجزائر | في شهر تموز/ جويليه الماضي، فجّرت توصية رسمية تدعو إلى الاستعانة باللهجة العامية في المراحل التعليمية الأولى صراعاً أيديولوجياً حول الهوية والانتماء، كان الجزائريون قد ظنوا أنهم تجاوزوه خلال سنوات سابقة. تبيّن أنّ الصراع كان كامناً ومستتراً، يبحث فقط عن سبب لمعاودة الظهور ولإدخال قطاع واسع من السياسيين والإعلاميين في معركة، يبدو حالياً أنها قفزت فوق الفواصل التقليدية بين الموالاة والمعارضة.


لم يكن الرأي العام الوطني في الجزائر لينشغل بما دار خلال الندوة الوطنية المنعقدة نهاية الشهر الماضي برعاية أعلى السلطات في الدولة (بينهم الوزير الأول عبد المالك سلال) بهدف تقويم إصلاحات المدرسة، لولا تلك التوصية التي أفرزتها الأشغال حول اعتماد تدريس «اللغات الأم» في السنتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي، وكان مقصوداً بها التدريس باللهجة العامية بدل اللغة العربية المقررة حالياً.
ما إن ظهر هذا الخبر في وسائل الإعلام، حتى أثار موجة من ردود الفعل القوية، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. كانت الردود في مجملها ساخطة على هذه التوصية واعتبرتها تهديداً لمكانة العربية في البلاد. وقد أصاب هذا التفاعل غير المسبوق وزارة التربية (المشرفة على الندوة) بالإرباك، فأكدت بداية أن الأمر لا يعدو كونه شائعة، قبل أن ينتشر تسجيل فيديو يؤكد بالصوت والصورة هذه التوصية، ما دفع بالوزارة إلى التوضيح.
وساقت وزيرة التربية، نورية بن غبريت رمعون، مبررات «بيداغوجية» محضة في دفاعها عن هذه التوصية، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق على الإطلاق بزحزحة العربية الفصحى بصفتها لغة أساسية في التدريس. أكثر من ذلك، قالت الوزيرة إن التوصية تهدف إلى رفع مستوى التلاميذ في العربية بعدما لوحظ تراجع مستواهم فيها، لأنهم وفق ما ذكرت يصدمون بها في مرحلة التدريس الأولى بعدما تعودوا في محيطهم على الحديث بلغتهم الأم أو باللهجة العامية.
هذه المبررات بدلاً من أن تخفف من وطأة الهجوم على الوزارة والوزيرة، زادت حدته، كما قادت أحزاب وشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي والعروبي حملة قوية على بن غبريت، واتهمتها بمعاداة العربية من أجل تمكين الفرنسية في الجزائر.
واللغة الفرنسية عند هذا التيار ليست وسيلة للتعليم أو «غنيمة حرب» (كما يقول الروائي الجزائري كاتب ياسين)، بل استمرار لتبعية الجزائر لدولة المستعمر، فرنسا. وكان من أبرز الشخصيات المهاجمة للوزيرة: رئيس «حركة مجتمع السلم ــ حمس» (التيار الإخواني في الجزائر) عبد الرزاق مقري، وأيضاً عثمان سعدي، وهو رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية، الذي يصنّف على أنه، فكرياً، من قادة التيار البعثي في الجزائر.
في المقابل، فإنّ العداء للوزيرة بن غبريت ليس وليد الظرف الحالي ولا «التوصية» الأخيرة، بل بمجرد تعيينها على رأس قطاع التربية في شهر أيار/ مايو 2014، أثيرت حولها العديد من علامات الاستفهام، وخاصة ما يتعلق بنسبها. وذهب بعضهم إلى اعتبارها من «أصول يهودية» نسبة إلى شطر الاسم الذي تحمله «رمعون».
وبرغم تفنيد كل هذه الشائعات المتداولة، فإن الضجيج حولها لم يتوقف، بل زاد من حدته أن الوزيرة لا تتقن العربية وتقع في أخطاء تعبيرية فادحة، كما كانت من الأعضاء الفعالين في «لجنة بن زاغو» التي اعتمدها سابقاً الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لإصلاح المنظومة التربوية واعتبرها التيار الإسلامي «مشروعا تغريبياً». وهكذا تكون صورة المؤامرة ــ لدى هذا التيار ــ على الهوية الوطنية، التي تشكّل العربية إحدى أهم مقوماتها، قد اكتملت.
وكما للوزيرة خصوم، فقد ظهر لها أنصار أيضاً، إذ انبرت، مثلاً، جريدة «الوطن» (الناطقة بالفرنسية) مدافعة عنها بشدة، واعتبرت أن الوزيرة تتعرض لهجمة شرسة من التيار الإسلامي الذي لا يريد إصلاحاً للمدرسة الجزائرية ويحاول إبقاء هيمنته الأيديولوجية على البرامج التعليمة. ودافعت «الوطن»، ومعها صحف أخرى، عن خيارات بن غبريت مستعينة بآراء خبراء في التعليم، واستندت في دفاعها إلى واقع أن الجزائر بلد التعدد اللغوي وليست حكراً على العربية فقط، لذا من حق الجميع أن يدرس بلغته الأم.


العداء للوزيرة بن غبريت ليس وليد الظرف الحالي ولا «التوصية» الأخيرة


أيضاً، دخل الرئيس السابق لـ«التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية»، سعيد سعدي، وهو أيضاً من القادة التاريخيين لـ«التيار الأمازيغي» في الجزائر، على خط المواجهة، معتبراً أن العربية لغة فرضها النظام على الجزائريين ولولا ذلك لما كان كثيرون منهم قد تعلموها. ويحيل كلام سعدي إلى الصراع الشديد الذي ميّز سنوات السبعينيات والثمانينيات إثر إقرار الرئيس هواري بومدين نظام التعريب في المدرسة، ثم واصل على دربه الرئيس الشاذلي بن جديد.
حتى هذا اليوم، يعتقد كثيرون من المحسوبين على هذا التيار أن تراجع أداء المدرسة ومستوى التلاميذ يعود إلى انتهاج هذا الخيار دون دراسة، بل يعتبرون أن «المدرسة الأساسية» التي كرّست التعريب في التعليم، كانت وراء تخريج جيل يحمل أفكاراً متطرفة دخلت بالجزائر في دوامة من الدم خلال «العشرية السوداء».
اللافت في هذا الصراع القائم حالياً أنه أخرج السلطة الحاكمة من اعتبارها محور اهتمام المعارضة والموالاة، إذ إن أحزاب تيار اليسار، مثلاً، تساند الوزيرة بن غبريت وتقف معها برغم معارضتها الشديدة، أو الجزئية، لسياسات الحكومة على غرار «الحركة الديموقراطية الاجتماعية» (الشيوعيون) و«حزب العمال» (تروتسكي). كما أن عدداً من أحزاب الموالاة عبّر عن رفضه المساس بمكانة اللغة العربية، مثلما هي حال تجمع «أمل الجزائر» الذي يقوده عمّار غول ذو الخلفية الإسلامية، وهو من شديدي الولاء للرئيس بوتفليقة.
بعيداً عن هذا الاستقطاب، أثارت توصية الاستعانة بالعامية الرفض عند عدد من خصوم الإسلاميين أنفسهم، فكتب الروائي الجزائري، بشير مفتي، تدوينة يقول فيها إن «اللغة العربية ليست لغة مقدسة لأنها لغة القرآن الكريم... هي أيضاً لغة مدنسة كتب بها شعراء مجون وخمر، وهي لغة روحية كتب بها متصوفة عظام ولغة علمية كُتب بها». وذهب عالم الاجتماع الجزائري ناصر جابي إلى اعتبار أن «إدخال ما سمي بالدارجة والحديث عن اللغة الأم ليس قراراً وطنياً بحتاً... هو، كالكثير من القرارات في السنوات الأخيرة، جزء من العولمة والسيادة المنقوصة للدول، جاء تحت ضغوط دولية».
في خضم ذلك، تبقى المدرسة الجزائرية أكبر ضحية لهذا الصراع الذي يصفه البعض بـ«الفارغ» لاتفاق معظم الجزائريين على عناصر الهوية الثلاثة (الإسلام، العروبة والأمازيغية) المنصوص عليها في الدستور، ولأن على السلطة أن تبحث عن مكامن تخلّف التعليم في مجالات أخرى.



إسماعيل مهنانة لـ«الأخبار»: ديانة النفاق الوطني ترسّخت

يرى أستاذ الفلسفة المعاصرة في «جامعة قسنطينة» (شرق الجزائر) إسماعيل مهنانة، أن ثمة «تهويلاً فارغاً حول ترسيم (إقرار) العامية في السنة الأولى من الطور الابتدائي لأنها موجودة في الواقع، أي التدريس بالعامية وليس تدريس العامية.... الفرق شاسع بين المسألتين».
ويرى مهنانة، في حديث إلى «الأخبار»، أن «السلطة» هي المستفيد من هذا الجدل «الذي صار مثل اللعبة التي تتسلى بها، ففي كل مرة تشرف على تنشيط دورة سجالية بين التيارين الأيديولوجيين في البلد، مستمتعة بحالة الإلهاء العام التي تشيعها مثل هذه الفقاعات، في ظل غياب تام لأي أفق إصلاحي، ووسط حالة الانسداد والشلل التام للمنظومة السياسية».
ويرجع صاحب كتاب «العرب ومسألة الاختلاف» ما يدور من معارك إلى «ترسخ ديانة النفاق الوطني في سلوك الجميع، سلطةً ومجتمعاً، فالمفرنسون يختفون وراء العامية لضرب اللغة العربية، والمعربون يتذرعون باحتقار العامية وسوقيتها لإخفاء أصولية دينية مستحكمة ولإخفاء عقدتهم إزاء الفرنسية (فيما) لا يترددون في إرسال أبنائهم إلى مدارسها الخاصة أو إلى باريس في أول فرصة».
ويذهب مهنانة إلى حد اعتبار أنه «لا يمكن الكلام عن اللغة والهوية في الجزائر قبل الاعتراف الرسمي بواقع التعدد والاختلاف الثقافي واللغوي، والبحث عن منظومة سياسية بديلة، من شأنها أن تستوعب كل هذا التعدد داخل نظام فيديرالي يخدم الوحدة الوطنية سياسياً وليس ثقافياً».