توصل أعضاء مجلس الأمن الدولي، أمس، إلى موقف غير جماعي بشأن الوضع في سوريا، لكن لبنان نأى بنفسه عنه، ما يجعل البيان الرئاسي مبتوراً. إلا أن مندوب بريطانيا، مارك لايل غرانت، قال إن موقف لبنان لم يكن معارضاً للبيان، وبالتالي عدّ امتناعه عن التصويت قبولاً ضمنياً. صيغة لم يعهدها المجلس منذ وقت وعُدّت ابتكاراً لتجاوز المأزق الذي وجد المجلس نفسه فيه من الأزمة السورية. فهو كان عاجزاً عن إصدار قرار أو بيان.

المجلس بحث على مدى أيام في «حقل ألغام» بين العبارات عن صيغة البيان الرئاسي المعدّل، الذي حاولت فيه بريطانيا استيعاب عناصر قدمتها الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل ودمجها مع مشروع قرارها المتعثّر منذ شهرين. وفيما استمر الخلاف حتى اللحظة الأخيرة على إدانة العنف، بما في ذلك الصادر عن المجموعات المسلحة المناوئة للحكومة السورية وإيكال تقويم الوضع في سوريا إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، اكتُفي بإدانة مظلية لكافة أشكاله بدون تحديد المسؤولية على هذا الجانب أو ذاك.
واستمر لبنان حتى اللحظة الأخيرة متمسكاً برفضه فكرة البيان الرئاسي أو لأي قرار يتعلق بسوريا. لكن كارولين زيادة القائمة بأعمال بعثة لبنان صرحت لمراسلين في نيويورك بأن البعثة أرسلت نصاً إلى بيروت لاتخاذ موقف منه. وتحفظت روسيا والصين على أي مشروع قرار، بينما أدت الدول الوسطى، ممثلة بمجموعة الثلاث (البرازيل والهند وجنوب أفريقيا) دوراً توفيقيّاً بين الأطراف، بحيث لا يتجاهل المجلس الأزمة المتفاقمة، ولا يرشّ الزيت على النار بقرارات تنطوي على وضع سوريا على جدول أعمال المجلس.
البيان الذي أجمعت عليه معظم الدول، وعُدّ تنازلاً لروسيا الرافضة رفضاً قاطعاً لأي قرار، يدين «انتهاك السلطات السورية الواسع لحقوق الإنسان واستخدامها القوة بحق المدنيين ». ويعرب عن «قلقه البالغ من الوضع المتردي في سوريا» وعن «أسف عميق لوفاة مئات الأشخاص»، ويدعو الأمين العام إلى تقديم إحاطة للمجلس خلال مهلة سبعة أيام. وقال مندوب روسيا الدائم فيتالي تشوركين معلقاً على مشروع البيان أثناء دخوله قاعة المجلس إنه «يتضمن دعوة واضحة لا لبس فيها لإنهاء كافة أشكال العنف». وأشار البيان إلى أن الحكومة السورية التزمت الإصلاح، لكن المجلس «يأسف لغياب التقدم في تطبيقه» ويحثها على «تطبيق التزاماتها».
ويؤكد البيان أن الحل الوحيد للأزمة الحالية في سوريا يكون من خلال حوار سياسي سوري شامل يهدف إلى معالجة الشواغل الشرعية لتطلعات الشعب، بما يسمح بالممارسة الكاملة للحريات الأساسية للشعب بكامله، بما في ذلك حرية التعبير والتجمع سلمياً». ويدعو إلى السماح بدون عرقلة للوكالات الإنسانية الدولية وموظفيها والتعاون الكامل مع مكتب المفوض الأعلى لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
هذه الصيغة التوافقية أتت بعد ساعات طويلة من مناقشة نص مشروع بيان رئاسي أو قرار أرسل إلى العواصم بعد لقاء ثالث خلال يومين عقد مساء الثلاثاء بين مندوبي بريطانيا مارك لايل غرانت والهند هارديب سينغ بوري، رئيس المجلس الحالي.
المسودة الأولى كانت مشبعة بالعبارات المتحفظ عليها من إدانات مقبولة من أطراف ومرفوضة من الآخر. وكان ينص على الآتي: «يعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه البالغ من الوضع المتدهور في سوريا ويبدي أسفه العميق لمصرع عدة مئات من الأشخاص. ويدين المجلس الانتهاك المنتظم لحقوق الإنسان ولاستخدام العنف بحق المدنيين (العزّل) (من جانب السلطات السورية) والكلمات بين مزدوجين التي وضعها المندوب البريطاني بقيت موضع تحفظ من الدول المعارضة.
ويدعو المجلس إلى إدانة العنف (بما فيه العنف بحقّ قوى الأمن) (عبارة طلبتها الدول غير الغربية) ويحث كافة الأطراف على التصرف بأقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن الردّ بالمثل. يدعو المجلس السلطات السورية إلى احترام حقوق الإنسان والالتزام بواجباتها بموجب القوانين الدولية المرعية ويدعو إلى إجراء تحقيق وطني محايد حول العنف في سوريا. وينبغي محاسبة المسؤولين عن العنف على وزر عملهم. وإذ ينوّه المجلس بالالتزامات التي أعلنتها السلطات السورية عن الإصلاح، يعرب عن أسفه لتعثّر التقدم في تطبيقها ويدعو الحكومة السورية لتنفيذ تعهداتها. يشدد المجلس على التزام القوى بسيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها.
ويشدد على أن الحلّ الوحيد للأزمة الحالية في سوريا هو بالحوار السياسي الشامل والعملية السياسية السورية الرامية إلى المعالجة الفاعلة للطموحات الشرعية وهموم الشعب بما يتيح الممارسة الكاملة للحريات الأساسية لكامل أفراد الشعب السوري، بما في ذلك الحق في التعبير والتجمّع السلمي.
يدعو السلطات السورية إلى رفع المعاناة في الشأن الإنساني في مناطق الأزمة (من خلال تخفيف العمليات العسكرية بحق المدن المتأثرة) بما يتيح الدخول من دون عرقلة (فوراً) لوكالات الإغاثة الإنسانية والتعاون التام مع (بعثة) مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان. (يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة إطلاعه على الحالة في سوريا خلال سبعة أيام)».
ولوحظ أن السفراء امتنعوا عن الإدلاء بتصريحات كثيرة. وفي الوقت الذي أعربت فيه مندوبة الولايات المتحدة، سوزان رايس، عن تفاؤلها باعتماد القرار، كان مندوب روسيا، فيتالي تشوركين، يحذر من أن أعضاء في المجلس يدفعون الأمور بقوة نحو «الحرب الأهلية».
بدورها، قالت واشنطن أمس إنها ليس لديها مصلحة في مشاهدة الرئيس بشار الأسد ينجو «فقط من أجل المحافظة على الاستقرار الإقليمي». موقف رأى فيه المراقبون تشدداً من الإدارة الأميركية التي لم تطلب حتى الآن تغيير النظام. وقال جاي كارني، المتحدث باسم البيت الأبيض، أمس إنه لا يرى أن الأسد لا يمكن الاستغناء عنه. ووصفه بأنه «عاجز وغير راغب في الردّ على رغبات الشعب». وأضاف أن الولايات المتحدة «لم تستثمر من أجل بقاء الأسد في السلطة. ولا نريد أن نراه باقياً في سوريا كرمى للاستقرار، بل إننا نرى أنه مصدر عدم استقرار في سوريا». وأكد أن الإدارة الأميركية تبحث عن عناصر ضغط تمارسها على النظام.