دمشق| تبدو المواقف العربية والدولية بشأن ما يحصل في سوريا في طريقها نحو التصعيد بالتوازي مع تصعيد السلطات السورية الحل الأمني والعسكري في العديد من المحافظات. فبعد التحول في الموقف الروسي وإمرار بيان مجلس الأمن الذي يندد بالعنف في قمع التظاهرات في سوريا، جاء بيان مجلس التعاون الخليجي بالتزامن مع عودة الضغط التركي مجدداً. هكذا، حتى ظهر أخيراً الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز بخطاب عاجل طالب فيه النظام السوري بوقف العنف ضد التظاهرات. فكيف قوّمت رموز المعارضة السورية هذا الخطاب، وماذا كان ردّ السلطة؟


الكاتب المعارض فاتح جاموس رأى في تصريحات العاهل السعودي حالة من التطابق بين موقف المملكة العربية السعودية الخفي في الفترة الماضية، وموقفها السياسي الذي أعلنته أخيراً في ما يتعلق بالأحداث السورية. وقال لـ«الأخبار» «جاءت هذه التصريحات السعودية واستدعاء سفيرها من دمشق للتشاور في هذا التوقيت الخطير من الأحداث السورية إعلاناً رسمياً عن الموقف الخليجي من تعنّت النظام السوري في تمسّكه بالحل الأمني والقمعي لمواجهة حركة الشارع المنتفض. هذا ما أكده أيضاً البيان الخليجي الأول، واستدعاء السفير السعودي أضاف حالة من الاستنكار العربي الخليجي إلى المواقف الأوروبية والأميركية من ممارسات النظام السوري».
ولا يستبعد جاموس أن نشهد جملة من التطورات السياسية العربية المتسارعة بخصوص الأزمة السورية في المرحلة القريبة المقبلة «ليس بالضرورة أن نشهد تطورات متسارعة جداً في السياسة العربية بخصوص الشأن السوري، لكن من المؤكد أننا سنواجه أزمات سياسية من دول عربية قريبة من سوريا». وأضاف «لقد فتحت هذه التصريحات مساراً مشابهاً للمسار الليبي، عبر تسهيل عمليات التدخل الخارجية، من الصعب حقاً تحديد أشكالها، أو السيناريوات المعدة لها. وعلينا ألا نستبعد أن يكون التدخل العسكري هو آخر الأشكال المتوقعة».
ويتوقع الكاتب والمعارض السوري أن نشهد إدانة من جامعة الدول العربية لمجمل ممارسات النظام السوري وأجهزته الأمنية القمعية «إذا استمر النظام السوري باتباع الأسلوب نفسه في معالجة للأزمة، دون أن يقدم على مجموعة تكتيكات أو مناورات يقطع فيها الطريق على احتمال التدخل الخارجي، وهذا يحتاج إلى العديد من الخطوات».
وعن طبيعة الردود التي أطلقها النظام بشأن ما صرّح به العاهل السعودي الملك عبد الله، أضاف جاموس «أرى حتى هذه اللحظة أنها ردود هادئة وذات طابع عقلاني، اقتصرت على الاستغراب من تغييب ذكر العصابات المسلحة والجماعات الإرهابية، سواء في بيان الجامعة العربية، أو في تصريحات العاهل السعودي الملك عبد الله. أعتقد أن النظام السوري سيكون حذراً جداً في ردّه على مثل هذه التصريحات، حتى يحافظ على الحدّ الأدنى من العلاقات الطيبة مع السعودية، من أجل إيجاد ثغرة في المواقف الخليجية أو العربية على حد سواء».
من جهته، رأى الكاتب المعارض فايز سارة أن الموقف السعودي الأخير من الأحداث السورية تلخيص لمجمل مواقف الدول العربية، «لا أحد يستطيع أن ينكر المكانة التي تتمتع بها سوريا في قلب العالم العربي، وتصريحات العاهل السعودي وبيان مجلس التعاون الخليجي وتصريحات الامين العام لجامعة الدول العربية، محاولة قد نتفق أو نختلف معها من أجل خروج سوريا من أزمتها، لكن على الرغم من تأخرها في التأثير على النظام السوري، لكنها جاءت أخيراً، وأعتقد أن من الممكن التعامل معها بطريقة إيجابية».
وفي ردّه على ما يشاع في الشارع السوري بشأن الضغوط الأميركية التي فرضت على السعودية ودول الخليج العربي من أجل إصدار بيان الإدانة، أضاف سارة «لا معلومات مؤكدة لدي عن هذا الموضوع. أنا أنظر إلى بيان دول الخليج وتصريحات العاهل السعودي، وما قاله الأمين العام لجامعة الدول العربية، على أنها مبادرات عربية تهدف أساساً إلى حل الأزمة السورية وإيقاف أحداث العنف والقتل بالجملة». ويضيف «جميع هذه الدول العربية كانت على علاقات جيدة مع النظام السوري في جميع المراحل، ولا أستطيع تأكيد إن كانت مجمل هذه المبادرات والتصريحات قد جاءت بتوجيهات أميركية».
ولا يتمنى الكاتب المعارض السوري أن نشهد أزمات دبلوماسية بين النظام السوري والحكومات العربية الأخرى «كما هي الحال مع جميع السوريين. أرجو أن تكون الأزمة التي نعيشها في طريقها إلى الحل، وألا نشهد حدوث حصار سياسي دبلوماسي عربي يفرض على سوريا، بعد الحصار والعقوبات الدولية التي فرضتها كل من أميركا وأوروبا». ويضيف «بداية علينا التفاعل بإيجابية مع مجمل المعطيات الداخلية والخارجية، وعلى النظام السوري إنهاء الحل الأمني الذي لا يزال مصمماً عليه منذ بداية الأحداث حتى هذه اللحظة، والاستعاضة عنه بالحل السياسي الذي يأخذ سوريا نحو الاستقرار، من أجل الانتقال السلمي إلى نظام ديموقراطي».
واستبعد سارة أن تشهد سوريا سيناريو مماثلاً لما يحدث الآن في ليبيا، قائلاً «من المؤكد أن سوريا ليست ليبيا، واعتقد أن الدرس الليبي قدم صورة مأساوية تماماً لمعنى التدخل العسكري الخارجي، ومن الصعب جداً بحق أن يذهب السوريون في هذا الاتجاه. لا نزال نأمل أن يتخذ النظام السوري قرارات توقف الحل الأمني والعسكري، وبعد ذلك من الممكن أن تبدأ المبادرات السياسية التي أراها وحدها كافية للخروج من الأزمة».
وعلى الرغم من غياب الرد الرسمي في سوريا على تصريحات الملك السعودي، إلا أن أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دمشق بسام أبو عبد الله يجزم قاطعاً، في حديثه مع «الأخبار»، بأن ما جاء على لسان العاهل السعودي «هو محاولة أميركية لإيجاد غطاء عربي للاستمرار بالضغط على سوريا، ولا أجد مصلحة سعودية في التنظير على أحد بشأن الإصلاحات، لأنها بأمس الحاجة إلىها. فبعدما توقع الجميع أن يكون الخطاب العاجل للملك بخصوص إصلاحات سياسية في المملكة وأحاديث عن برلمان سعودي ومجالس إدارة محلية، أو أقل ما يمكن الحديث عن إطلاق الحريات في المملكة، كأن يسمح للمرأة بأن تقود السيارة، جاء للضغط على سوريا. وعندما تصل المملكة إلى مستوى تصبح فيه المرأة قادرة على قيادة سيارة، يمكننا أن نقبل كلام جلالة الملك السعودي. أما أن تصبح القصة مجرد ضغوط وتنفيذ لمخطط التقسيم في سوريا، فهذا أمر غير مقبول». وهنا يتهم أبو عبد الله غالبية دول الخليج بالضلوع في مشروع التقسيم الذي يحاك لسوريا، مشيراً إلى «أن هؤلاء يعتقدون بأنهم سينجون من تبعات هذه المؤامرة من خلال الهجوم على سوريا». ويضيف أن الملك «قد يكون خدع مجدداً كما سبق أن خدع بشأن الملف اللبناني، وخاصة أنه يعاني من مشاكل صحية قد لا تمكّنه من الاطلاع على حقيقة التطورات».
ثم وجه أبو عبد الله رسالة إلى جميع الخصوم السياسيين لسوريا، وفي مقدمتهم السعودية، وقال «على الجميع أن يدرك أنه إذا وضعت سوريا في الزاوية، فالخسارة ستكون حليفة الجميع، وعلى رأسهم السعودية التي ستدفع ثمن محاولتها إيجاد غطاء لأميركا حتى تضغط أكثر على سوريا كي ندفع ثمناً سياسياً».
من جانب آخر، يلفت أبو عبد الله إلى الأحداث المتلاحقة والظهور المتكرر للمسؤولين للحديث عن سوريا، كأن الأحداث في سوريا هي الشيء الوحيد الذي يقلق هؤلاء، وهو ما يثبت أن «هناك سايكس بيكو جديدة تهدف إلى تقسيم سوريا، ولا سيما أننا شاهدنا قوات سعودية تدخل البحرين وقد قمعت الاحتجاجات، وجرى التستّر على كل ما مورس من قمع هناك».
لكن ماذا عن التحول في الموقف الروسي، يجيب أبو عبد الله بأنه «لا يجب تحميل روسيا أكثر مما ينبغي، لكنها بطبيعة الأحوال ستبقى مؤيّدة لسوريا خوفاً من امتداد الإسلاميين المتأمركين من تركيا وصولاً إلى سوريا، وذلك مقدمة لوصولهم إلى منطقة القوقاز حتماً، إضافة إلى حرص الروس على مصالحهم في منطقة البحر الأبيض المتوسط بعد أن ذاقت روسيا الأمرّين بخصوص الشأن الليبي».
وعن المخارج الباقية على الأرض بأقل الخسائر، يجيب الأستاذ الجامعي بأن «الحل الوحيد هو الإسراع أكثر في عملية الإصلاح لإطاحة رموز فساد وشخصيات أصبحت ممقوتة من الشارع، في موازاة الحسم الأمني والعسكري، ما دمنا أمام مؤامرة تريد تفكيك بنية البلد. وفي النهاية من يعتقد أن الغرب يريد إصلاحات فهو واهم».




«الله معنا» هي السبب

أبدى الفنان السوري المعارض فارس الحلو (الصورة) استياءه الشديد من الاهتمام بالتصريحات الدبلوماسية في الوقت الحالي، قائلاً «هناك أحداث على الأرض يعيشها الشارع السوري المنتفض أهم بكثير من مجمل هذه التصريحات الساذجة». وأضاف ساخراً كعادته من تأخر مجمل الدول العربية، بما فيها المملكة العربية السعودية، في إظهار استيائها وتنديدها بممارسات النظام السوري القمعية، «ربما التسمية التي أطلقتها تنسيقيات الانتفاضة السورية ــــ الله معنا ــــ هي من حرّكت الحس الإنساني لدى دول الخليج. في النهاية أنا لا آخذ مجمل هذه التصريحات الدبلوماسية السياسية في الاعتبار إطلاقاً». ويضيف «الحراك في الشارع المنتفض، والتظاهرات السلمية، هما فقط من يحدد بوصلة الانتفاضة السورية».