صنعاء | يبدو أن عنوان «جمعة رفض الوصاية» الذي اتخذه شباب الثورة في اليمن، اسماً لجمعة سابقة من جُمعهم، قد أغضب حكام السعودية؛ فبحسب التقليد الذي تسير عليه اللجنة التنظيمية العليا لشباب الثورة منذ انتقال ممارسة طقوس صلاة الجمعة من «ساحة التغيير» إلى «ساحة الستين» التي بإمكانها استيعاب حجم الزيادة في أعداد المصلين، يُرفع اسم الجمعة المحددة على لوحة إعلانية ضخمة وسط «الستين»، ويجري إبقاؤها حتى يحين موعد الجمعة التالية، لكن اسم «جمعة رفض الوصاية» لم يصمد على تلك اللوحة الضخمة سوى يومين، حيث صعد بعض الأفراد وأزالوه. لم يكن من الصعب معرفة الجهة التي وقفت وراء هذا الفعل، وخصوصاً أن تلك اللوحة الإعلانية الضخمة لا تبعد سوى بضعة أمتار عن البوابة الرئيسية لمقر معسكر الفرقة «أولى مدرّع»، الواقع تحت قيادة اللواء علي محسن الأحمر، الذي، بحسب مصدر مطلع، كان يقف على نحو شخصي وراء اسم «جمعة رفض الوصاية» رغبةً منه في إرسال برقية استياء إلى أمراء السعودية، الذين كانوا قد أرسلوا مبعوثاً ملكياً خاصاً إلى صنعاء بغرض إجراء مباحثات مع عدد من أطراف العمل السياسي في البلد، لم يكن هو من بينهم، لكن الأحمر تسلّم برقية عتاب من طرف وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز، الذي تربطه به علاقة جيدة، أبلغه فيها انزعاج المملكة من «جمعة رفض الوصاية»، فكان الرد العملي من جهته عن طريق انتزاع اللافتة من مكانها بعد يومين فقط من رفعها.


وصيّة عبد العزيز

هي المرة الأولى إذاً منذ بداية ثورة الشباب في اليمن، التي تبدي فيها المملكة انزعاجاً مباشراً من «شباب الثورة» في «ساحة التغيير» الذين كانوا هم أصحاب الشعار، ولو بالاسم فقط، وهو الذي كان يقصد منه رفض الوصاية السعودية بالدرجة الأولى، والولايات المتحدة بالدرجة الثانية، لكن كالعادة، لم يعكس هذا الانزعاج نية سعودية صادقة في التعامل مع ما يحدث في اليمن على نحو جاد، إذ لا تزال النظرة تجاه مشاكل «الجارة الفقيرة» قائمة من خلال منظار «اللجنة الخاصة» التي ترأّسها وقتاً طويلاً ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز، الذي يعاني اليوم مرضاً عضالاً ألزمه البقاء تحت المتابعة الطبية في أحد مستشفيات نيويورك. وكانت مهمة «اللجنة الخاصة» تلك ضخ أموال طائلة على هيئة رواتب شهرية تُدفع لقادة بعض القبائل الموالية وبعض القادة الحكوميين بهدف كسب ولائهم، والتحكم بالتالي في سير السياسات العامة في اليمن على نحو يبقي ضعف السلطة المركزية، بما فيه إبقاء الوضع الداخلي في حالة من عدم الاستقرار الدائم، وذلك عملاً بوصية الملك عبد العزيز، التي أبلغها إلى أبنائه وتقول «أبقوا اليمن ضعيفاً».

من اللجنة الخاصة إلى نايف

ورغم الأنباء عن نية السعودية حجب صندوق اللجنة الخاصة مع مرض الأمير سلطان، يستبعد الباحث حسن مجلي هذا الأمر، مشيراً إلى أن المملكة لا يمكن أن تقدم على هذه الخطوة نظراً إلى كون عدد كبير من القبائل المتاخمة للحدود السعودية تعتمد كلياً على المال القادم من خزانة «اللجنة الخاصة». ويؤكد حسن مجلي لـ «الأخبار» أن أي تأخير في صرف تلك المبالغ المقررة لزعماء تلك القبائل، معناه زيادة في نسبة التهديد الذي قد يأتي إلى أراضي المملكة من أفراد تلك القبائل المتاخمة لها، وهو ما تخشاه السعودية. ويرى مجلي أن أمر اللجنة الخاصة والملف اليمني برمته «سيذهبان بلا شك إلى يد وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز، الذي يمتلك خبرة جيدة في التعامل مع القوى السلفية في منطقة شبه الجزيرة العربية، إضافةً إلى علاقته الجيدة بعلي محسن الأحمر، الذي يرتبط بدوره بعلاقات جيدة مع أبرز كتل التيار السلفي في المنطقة».
أمّا بالنسبة إلى آلية صرف الدعم المالي لتلك القوى، فيقول مجلي إنها ستتعرض لعملية إعادة توزيع بحيث تتناسب مع الأهمية الجديدة التي صارت بعض الكيانات القبلية تحوزها على الأرض، ومدى قدرتها على التأثير في اللعبة السياسية اليوم، وذلك بعد دخول القبائل طرفاً قوياً فيها.
كذلك يبدو انزعاج المملكة واضحاً من استخدام الثوّار مصطلحات مثل «الشرعية الثورية والمجلس الانتقالي والدولة المدنية». وانعكس هذا الانزعاج في خروج رجل الدين المتطرف عبد المجيد الزنداني عن صمته، وهو الحليف اليمني التاريخي للمملكة، لينتقد مفهومي «الشرعية الثورية والدولة المدنية».
وفي هذا السياق، يعلّق الناشط الاشتراكي أحمد العسلي، بأن كلام الزنداني كان بمثابة فتوى رسمية منه هدفت إلى إدانة مفهوم الدولة المدنية، وتكفير المنادين بها وبقيامها. ويؤكد العسلي أن الزنداني لا يتحرك إلا لهدف معين وفي توقيت محدد من جانب السعودية، مثلما كان يستخدمه في السابق علي عبد الله صالح قبل أن يعلن معارضته بعد انطلاق ثورة الشباب.
ويتساءل العسلي: «ما معنى أن يصمت الزنداني كل هذا الوقت، ويأتي ليتحدث في هذا التوقيت الحساس الذي يصب لمصلحة السعودية على نحو مخالف لتوجّه الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، وهو الحزب الذي ينتمي الزنداني إليه؟».
أما بشأن نظرة المملكة إلى مصير الرئيس صالح ومستقبله، فيرى مصدر إعلامي مقرب من حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن السعودية صارت مقتنعة تماماً بأن صالح قد صار خارج اللعبة السياسية، وأن كل ما يمكن أن يحصل عليه هو البحث عن صيغة خروج مشرّفة، تمكّنه من إنهاء فترة حكمه على نحو لائق. ويضيف «من أجل الوصول إلى هذه النتيجة، تسعى السعودية إلى تجاهل أعمال التدمير التي تنفذها قوات نجل الرئيس صالح وأقاربه في البلاد، معتقدةً بأنها بهذا تستطيع امتلاك ورقة ضغط تمكنها من فرض شروطها على مختلف القوى السياسية المعارضة في اليمن، للخروج بصيغة مرضية بالنسبة إليها، تعمل على إبقاء الرئيس صالح رئيساً فخرياً لليمن، فيما يبقى الأبناء في مناصبهم لحين انتهاء الفترة الرئاسية لوالدهم نهاية 2013».

تعطيل الفعل الثوري... وإيران

ووفقاً للمصدر الإعلامي نفسه، فإن جل ما تسعى إليه الرياض في هذه اللحظة، هو البحث عن أدوات وتحالفات جديدة تجعلها تعيد سيطرتها على مراكز صناعة القرار داخل اليمن، مع تعطيل الفعل الثوري أو على الأقل عن طريق تحييده بواسطة المفاوضات السياسية التي حرصت على رعايتها منذ البداية والممثلة بالمبادرة الخليجية، «مع عدم تجاهل أن كل هذا سيجعلها قادرة على تحجيم الحضور الحوثي في خريطة اليمن الجديدة، ومن خلفه إيران، وخصوصاً أن الحوثيين قد أعلنوا صراحة مطالبتهم بضرورة أن يكون لهم تمثيل حقيقي في أي تشكيل سياسي جديد في البلاد، وأن يكون ذلك بنسبة محددة كغيرهم من القوى السياسية، مثل قوى الحراك الجنوبي والمعارضة اليمنية المقيمة في الخارج».
لكنّ الباحث في الشؤون القبلية والبرلمانية اليمنية، علي الضبيبي، يقدم قراءة مختلفة بالنسبة إلى موقف المملكة من ثورة الشباب، مشيراً إلى أنّ هناك انقسامات حادة في بنية العائلة السعودية الحاكمة، فالملك عبد الله يساند الرئيس صالح، ولا يرى في هذه الثورة أبعد من مجرد «أزمة بين قبائل حاشد ويحاول إصلاحها على هذا الأساس».
ويؤكد الضبيبي أن صورة الدور السعودي في اليمن، تختلف تماماً عندما يُنظر إلى خلفية بنية العلاقات داخل العائلة السعودية الحاكمة، حيث يبدو بجلاء عمق الانقسامات الظاهرة في السياسة الخارجية للمملكة، وذلك من خلال المؤسسة المحكومة اليوم عن طريق أبرز أعضاء العائلة، وهم التابعون للجيل الثالث من أحفاد الملك عبد العزيز، ومنهم الأمير نايف بن سلطان، الذي عبر عن رفض دولته تصريح الرئيس اليمني في أول ظهور تلفزيوني له بعد حادثة «مسجد النهدين»، عندما قال إنه سيواجه التحدي بالتحدي. واضطر الأمير نايف في حينها إلى التعليق على كلام صالح بالقول إن «المملكة لن تسمح بإطلاق أي تصريحات تهديدية من أراضيها».
لكن الضبيبي يعود ليشير إلى أن عمق الانقسام الحاصل في العائلة السعودية المالكة بشأن اليمن، إنما هو «ناجم بالأساس من تبعات حرب صعدة الأخيرة في 2009»، التي يعتقد الأمير سلطان أن الملك عبد الله لم يدخلها إلا لتوريط نجله خالد بن سلطان الذي كان قائداً للقوات السعودية فيها.




الحلّ خارجي

توقعت مصادر سياسية في تصريحات لوكالة أنباء «شينخوا» الصينية، أن تؤتي المواقف الدولية الضاغطة على الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ثمارها. ورأت المصادر أن حل المشكلة اليمنية لن يكون إلا من خلال الضغوط الدولية فقط، وأن أي حلول تقدم من الداخل اليمني لا يمكن أن يُكتب لها النجاح، إلا أن بعض اليمنيين، الذين ضاقوا ذرعاً بطول مدة الأزمة اليمنية، صبّوا حنقهم على القوى الخارجية، التي يشعرون بأنها لم تمارس ما يكفي من الضغط على الحكومة للوصول الى حل. ويقول يحيى مصلح، وهو صاحب متجر في صنعاء: «لو كانت السعودية أو الولايات المتحدة تريد أن يرحل صالح، لكانت قد فعلت هذا، ولكانت انتهت الأزمة في أقل من شهر، لكنهما تواصلان الانتظار، والحرب ستندلع قبل أن تتدخلا».
(الأخبار، رويترز)