بغداد | حين يُتاح لك الاطلاع على ملفات وزارة الداخلية، تكتشف أن التنظيمات الجهادية اليوم أقرب ما تكون إلى عصابات صغيرة، تراجعت أحوالها وفقدت أوضاعها الكثير من شكلها الأول خلال الصراع مع السلطة، وخسرت الكثير من الهيبة التي كانت تحيط بقادتها وأمرائها وولاتها في جولاتهم في القرى والمناطق التي يسيطرون عليها. إلا أن الصراع لم ينتهِ بعد.


الآلاف من الصور والاسماء أُدرجت في ملفات وزراة الداخلية تحت ختم «سري للغاية»، أو مذيلةً بعبارة «تم القبض عليه». آلاف أخرون لا تزال الوزارة تطاردهم في أنحاء العراق، وصور بعضهم باتت معروفة وأغلب المعلومات عنهم متوافرة. ثمة قدرة عالية كما يبدو على تصفية أطر «القاعدة».
في الصور التي تظهر في المجلدات السرية التابعة لأجهزة أمن الحكومة العراقية، يبدو رجل «القاعدة» كأي مطلوب آخر في جرائم القتل والسرقة والنهب والاغتصاب والتهريب وتزوير الأموال: أشعث الشعر، مُذَلّ، مرتبك أمام الكاميرا. ومن بين هؤلاء نساء ممن يُلقى القبض عليهن بتهم مختلفة، كالمساهمة في الأعمال الأمنية أو المشاركة في اصطياد ضحايا لمصلحة التنظيم، وهي ناحية لم يكن «القاعدة» لينظر إليها بعين الرضى في السابق.
اليوم ثمة ما يتغيّر: رجال وزارة الداخلية، وفرقة swat التابعة للأمن، وفرقة swat التابعة للوزارة، كلتاهما تبدوان واثقتين من قدرتهما على قمع أية حركة لـ«القاعدة». لكن التنظيم لا يزال موجوداً، وفي جميع المناطق. هو ضعيف نعم، ويشي بضعفه استخدام عمليات بكواتم الصوت، ولكنه لا يزال فعالاً، ولا يزال يحظى بغطاء من سياسيين يحتاجون إلى الدماء لمواصلة فسادهم وتحسين مراكزهم في السلطة.
إلا أن «القاعدة» لم ينته، ولم يقل كلمته الأخيرة في لعبة الأمن والاستخبارت بعد، ولا في لعبة البقاء على قيد الحياة وتصفية الخصوم. فها هو ضابط في وزارة الداخلية يطلق النار من مسدس كاتم للصوت على ضابط آخر كان يفترض به أن يوصله إلى المطار، وبدل ذلك حاول قتله، إلا أن الضحية تمكن من البقاء على قيد الحياة بالصدفة، ليبلّغ لاحقاً بمن حاول اغتياله. وبعد التحقيقات، اكتشفت وزارة الداخلية أن «القاعدة» يخترق صفوف الضباط إضافة إلى الكثير من الاختراقات الأخرى.
في بغداد، يرفض ضباط وزارة الداخلية الموافقة على أن منطقة الدورة البغدادية لا تزال تمثّل معقلاً للتنظيم الجهادي، وأنها لا تزال تحضن «دولة العراق الإسلامية»، بل يرون أن المنطقة باتت تحت السيطرة، ما عدا خروقاً قليلة. وفي وزارة الداخلية، تبدو الصورة أوضح بأن «دولة العراق الإسلامية» لا تزال فاعلة: خروق كثيرة تحصل، ومعلومات كثيرة تصل إلى الوزارة تجعل المسؤولين القائمين بأعمال الوزير حالياً (بعد حصر الوزارات الأمنية بيد رئيس الحكومة نوري المالكي)، يقولون إن التنظيم لا يزال موجوداً في كل أنحاء البلاد.
في منطقة باب الشرقية (أو باب الشارجية، كما يلفظها العراقيون) في العاصمة العراقية، وضمن مجمع وزاري مغلق ومحكم الحراسة، ومحاط بسور كبير من الجدران الإسمنتية العالية، وبالعديد من أبراج المراقبة، تقع وزراة الداخلية العراقية، وهي الأكثر عملاً على ملف التنظيمات الجهادية والقتالية، سواء أكانت سنية أم شيعية. وبحسب وزير داخلية سابق، تعمل هذه الوزارة على ملف المنظمات القتالية أربعة أضعاف وزارة الدفاع.
ورغم أن التنظيمات الشيعية القتالية مصنَّفة في أوراق وزارة الداخلية على أنها إرهابية هي الأخرى، وخاصة فصائل مثل «عصائب أهل البيت» وغيرها، إلا أنها لا تمثّل هدفاً مباشراً ويومياً للوزارة، أو قل إنها لا تخضع لحجم العمليات نفسه الذي يخضع له «القاعدة»، كذلك فإنها لا تنتشر مثلما ينتشر «القاعدة»، ولا تصور عملياتها القتالية ضد القوى النظامية العراقية وتنشرها في فضاء الشبكة الإلكترونية.
أما «دولة العراق الإسلامية» (تنظيم القاعدة)، فيحتل في صفحات التقارير الأمنية اليومية المساحة الأكبر، أكثر من ثلاثة أرباع المساحة، بينما يتوزع الربع الباقي على اعتقال شبكات تهريب وتزوير وأعمال إجرامية مختلفة. ويمر ذكر مجموعة قتالية كانت تعدّ الصواريخ لضرب قوافل أميركية لماماً في التقارير اليومية السرية، وهي عادة ما تكون من «كتائب ثورة العشرين» أو «كتائب حزب الله العراق».
هناك عدّة وجوه لما يحصل اليوم من حرب سرية في بغداد وفي نواحي النزاع الأخرى: الوجه الأول هو الضربات الكبيرة التي تعرض لها تنظيم «القاعدة» وباقي القوى المنضوية في إطار «دولة العراق الإسلامية» خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وهي ضربات دفعت التنظيم إلى سحب قواه بنحو مركزي من محافظة الأنبار في 2006 أولاً، وهي المحافظة الاستراتيجية للتنظيم، نظراً إلى سهولة عبور الحدود مع سوريا، والوصول إلى لبنان والأردن والسعودية والصعود باتجاه الشمال. كذلك فإنها المحافظة التي احتضنت التنظيم بعيد حرب الفلوجة، وأتى انسحابه منها بمثابة ضربة للعمود الفقري.
ثم تعرّض التنظيم لمقتل أميره أبو مصعب الزرقاوي في محافظة ديإلى 2006 أيضاً، حيث كانت عملية قتله بمثابة ضربة على الرأس، وخاصة أنها ترافقت مع حملة تصفية لنفوذ التنظيم في محافظة ديإلى وسط صخب حرب أهلية مذهبية غير معلنة، فُضِّل خلالها التخلي عن تنظيم القاعدة والعودة إلى الدولة. بعدها انحصر نفوذ التنظيم بنحو مركزي في محافظة نينوى والتأميم (كركوك) وصلاح الدين، وسيطر على الموصل، وتراجع هذا النفوذ رويداً رويداً مع تقوية أجهزة الدولة العراقية وتسوية أوضاع السنّة وإدخالهم في مجالس «الصحوات» مع إغداق الوعود عليهم.
عام 2010، نفذت الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية عملية لا تزال تفاصيلها سرية إلى اليوم، وتمكنت من تدمير شبكة «الفرقان» للإعلام الجهادي الإلكتروني والمعلوماتية، واعتقال العديد من الكوادر التي تعمل في الشبكة، وفك الحواسيب، والحصول على ما قدّرته مصادر خاصة في وزارة الداخلية بعشرة تيرابايت Terabyte من المعلومات الإلكترونية المختلفة. وبحسب مصادر الداخلية العراقية، فإن أعضاء مؤسسة «الفرقان» هم من التابعيات السعودية واليمنية والمصرية والليبية والسورية، وغيرها.
طلبت القوات الأمنية العراقية الإسناد الإلكتروني من القوات الأميركية التي عملت على تحليل قواعد البيانات، وبدأت تخرج النتائج تباعاً: أولاً، أُنهيت مؤسسة «الفرقان» في العراق بحسب ضباط في وزارة الداخلية. وثانياً، بدأت عمليات مطاردة لمراكز رئيسية لتنظيم القاعدة وأمراء وولاة في التنظيم، وصارت عمليات الاعتقال تجري بصورة يومية، ودهم مصانع كواتم الصوت أيضاً، وبدأ تفكيك شبكات كاملة بعد توافر المعلومات عن العناصر والأسماء والقيادات والمواقع والتراتبيات. وأصبح الحصول على الاعترافات بالانتماء أسهل مع توافر أدلة حسية تدين الموقوفين، وتجبرهم على الاعتراف بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة ودولة العراق الإسلامية.
وبحسب ضباط في وزارة الداخلية، لا تزال عملية تفريغ قواعد البيانات جارية، وهي متواصلة منذ أن وُضعت اليد عليها، ويجري القيام بعمليات تنفيذية كلما توافرت معطيات كافية لها. وقواعد البيانات هذه هي ما سمح بالسيطرة على معظم المناطق، ومحاصرة قياديين وعناصر في «القاعدة» وإجبارهم على مغادرة البلاد. إلا أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها «الفرقان» لضربات أمنية، سواء تلك التي تعرض لها كوادرها العاملون في العراق أو في أماكن أخرى من العالم، فهي تختفي أحياناً، ثم تعود لتمارس عملها في الدعاية الجهادية، وفي نشر البيانات وتصريحات قادة «القاعدة» من حول العالم، وهي تأسست في العراق في نهاية عام 2006، لتكون الصوت الإعلامي الرسمي لدولة العراق الإسلامية، ولتتبع لوزارة الإعلام في هذه الدولة الإسلامية.
وكان الجزء الرئيسي من عمل «الفرقان» هو إصدار تسجيلات فيديو وتعميمها على المنتديات الجهادية. أغلب هذه التسجيلات دعائية، وجزء منها إعلامي يتضمن خطابات لأمراء التنظيم، أو مشاهد لعمليات قطع الروؤس وحز الأعناق، وتفجير دوريات الشرطة العراقية أو الدوريات الأميركية.
«سبق أن قلنا لإيران وسوريا وتركيا والكويت والسعودية أيضاً ألا تسهّل أعمال القاعدة في العراق، فهو سيعود ليرتدّ عليهم، واليوم يفر عناصر التنظيم القاعدة إلى هذه الدول»، يقول ضابط أمني. كلامه هذا تؤكده شهادات سكان قاتلوا التنظيم، أو عملوا ضده، وسلفيين كانوا في الماضي القريب من القياديين في «القاعدة» حين كان يقاتل الأميركيين، وقبل أن يتحول لقتال الشيعة والقوى النظامية، ويذبح كل من يجرؤ على الاعتراض، فانفكوا عنه.
وتكشف مصادر في وزارة الداخلية عن حملة الاعتقالات التي طاولت خلية رئيسية في منطقة الدورة في بغداد، وهي من المناطق التي كان يتمترس فيها التنظيم، ويخوض منها قتالاً ضارياً ضد الأميركيين وضد القوى الأمنية العراقية حتى عام 2008، ولا تزال حتى اليوم تُعَدّ من معاقل خلاياه الأمنية.
اعتقلت وزارة الداخلية معظم أعضاء الشبكة في عملية بنهاية شهر حزيران الماضي. وفي الخريطة التي أعادت وزارة الداخلية رسمها، يرأس الخلية والي الدورة، وهو كريم الحلو (اسم كنية)، وإلى جانبه شخص (أو شخصان) مكلفان إقامة الصلة والاتصال مع الخلايا القاعدية الأخرى في المناطق المجاورة (ضابط ارتباط). ويعاون الوالي مجموعة من ستة أشخاص يتولون أمر توفير مضافات للمقاتلين والخلايا التنفيذية، ومجموعة للعبوات مؤلفة من قائد و10 أشخاص، ومجموعة للاغتيالات (اختصاص كواتم صوت وعمليات خاطفة) مؤلفة من أربعة أشخاص، يعاونهم أحد أعضاء مجموعة العبوات. وحول كل فرد من أفراد الخلايا الرئيسية، يتحلّق شخصان إلى ثلاثة هم مرشحون محتملون للعمل، ومساعدون للشخص في تنفيذ أجزاء بسيطة من العمليات.
وتقول مصادر وزارة الداخلية إنه جرى اعتقال أغلب أعضاء هذه الشبكة في منطقة الدورة (في نهاية شهر تموز)، إلا أن واليها لا يزال يعمل في الخفاء في مكان ما. ولكن مهلاً، يجب عدم القفز إلى الاستنتاجات السهلة بأن «القاعدة» في العراق قد انتهى، أو تعرض لضربات لن ينهض منها؛ فـ«دولة العراق الإسلامية» ما زالت تعمل في كل المناطق، ولكن بنمط مختلف، ودون أبّهة، وهي تراجع أمورها وأخطائها، وهي لا تزال تقاتل في الحرب السرية ضد القوى الأمنية العراقية؛ فها هو شرطي في القوى الأمنية يعتقل بتهمة امتلاك مصنع لكواتم الصوت لمصلحة الدولة الإسلامية تلك، ثم بعدها بأيام يُغتال أحد ضباط القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، ثم يُعتقَل ضابط آخر في القوات الخاصة العراقية في الداخلية، ومعه مجموعة من رجاله الذين يعملون لمصلحة دولة العراق الإسلامية أيضاً.
تتراجع دولة العراق الإسلامية ـــــ «القاعدة» خطوة في بغداد، هي أضعف نفوذاً من باقي القوى، والسلطات الأمنية تعمل على قتالها واعتقال كل من يشتبه في علاقته بالجهاديين في المنطقة. القرار السياسي يقضي بأن تكون بغداد العاصمة، وبغداد المحافظة «Qaeda free»، أو خالية نهائياً من التنظيم. ولكن ومع فرز الأسماء وتحليل المعلومات، يكتشف ضباط الأمن العراقيون كل يوم أن هذا التنظيم يمتدّ أعمق مما كانوا يتخيّلون، ويكتسب التنظيم في عقولهم صورة أقوى ربما مما هو عليه في الواقع، وهالة وسطوة وقدرات تنظيمية وقتالية ومعلوماتية أكثر مما يمتلك.
همّ ضباط الأمن أنّ كل يوم يمضي في مطاردتهم للتنظيم، يكون فيه هذا الأخير يعمل من ناحيته على مراكمة المعلومات حولهم وحول عائلاتهم، إلى أن يحين اليوم الذي يكون الضابط فيه سيئ الحظ ويطاله التنظيم قتلاً أو خطفاً وتعذيباً وتحقيقاً قبل تنفيذ حكم المحكمة الشرعية في «دولة العراق الإلإسلامية» بحقه.
إنها الحرب السرية حيث الإرادة تواجه الإرادة، والعقل مقابل العقل. هي حرب مستمرة في طول الأرض العراقية وعرضها.
وفي هذه الحرب، خسر «القاعدة» التعاطف الشامل الذي كان يحميه في أعوامه الأولى في العراق، بينما خسرت الدولة العراقية، منذ اليوم الأول، عامل الصدقية. يضحك وزير داخلية سابق وهو يروي قصة القبض على قناص بغداد، القناص الأسطوري الذي كان يسجل عمليات القنص وتبثها المواقع المقاومة المختلفة من قومية وإسلامية وقاعدية. يقول: أُعلن القبض على هذا الرجل أربع مرات، وفي النهاية قدموا شخصاً لنا بصفته قناص بغداد، إلا أن هذا الشخص كان مُصاباً بالتواء اليدين، وبالكاد يتمكن من الإمساك بكوب الماء، فهل هو القناص صاحب الرصاصة التي لا تخطئ؟

(غداً: الأنبار: الرواية الأخرى)




شورى ودولة

تأسس «مجلس شورى المجاهدين» في العراق رسمياً في شهر كانون الثاني من عام 2006، بعدما كان الجهاد العراقي قد شهد عدة مجالس شورى ضمت «القاعدة» أحياناً وغيره، وأحياناً أخرى ضم تنظيمات لا علاقة لها بـ«القاعدة». وضم مجلس شورى المجاهدين بشكل أساساً:
1- تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين
2- سرايا الجهاد الإسلامي
3- جيش أهل السنة والجماعة
4- جيش الطائفة المنصورة
5- سرايا الغرباء
6- كتائب الأهوال
7- سرايا أنْصار التوحيد
ثم أطلق المجلس «دولة العراق الإسلامية»، وهي تُعَدّ مظلة حكم سياسية وإدارية لعدد من الجماعات الجهادية، وتأسست في 15 تشرين الأول 2006 في العراق. عملت على تأسيس العديد من المجموعات في المناطق، وإدارة أعمال الجهاد التي انحصرت بنحو كبير في تدمير الدولة العراقية (بصفتها تابعة للأميركيين) وانخرطت في النزاع الطائفي. وقد بايعت الدولة أبو عمر البغدادي أولاً (عبد الله رشيد البغدادي ـــــ أو حامد داوود محمد خليل الزاوي) أميراً لها. ثم عينت أبو بكر البغدادي الذي يوقع باسم «أبو بَكر الحُسينيّ البغدادي خادم الإسلام والمسلمين».