I

عسكرة ميدان التحرير، نموذج رمزي لعقلية قديمة ترى السيطرة بالعساكر أسمى غايات الأمل. نموذجٌ يُثير الضحك والغضب في آن. لماذا يقف كل هؤلاء العسكر ٢٤ ساعة كأنّهم في استعراض للقوة أو المكانة؟ يظهر للمتأمل استعراض بائس، يعبّر عن ضعف وعجز في السيطرة، وعقلية قديمة تريد الاستمرار رغم نفاد رصيدها، رغم أنها أوصلت مصر إلى الكارثة. لماذا يستنسخ المجلس العسكري «نموذج» مبارك في الحكم؟ الثورة صنعتها عقلية جديدة. خيال لم يدجَّن. كان يمكن الاعتراف بفضل هذا الخيال بإنقاذ مصر، لكن الردّ الطبيعي من عقلية حكمت ٦٠ عاماً كان مجرد محاولة جديدة للتدجين.

«التدجين» يتحدّى خيال «حرّ»، لم ينضبط بعد على قوالب جامدة، وهو ما أشعل الصراع بين «الثورة» و«المجلس العسكري» والمجموعات التي يستقطبها حوله. الاستقطاب هنا يلتقي عند عقلية قديمة جداً ترسم شكل الحكم ومفاهيم الوطنية وثقافة التعامل مع السلطة. عقلية حوّلت أنظمة التحرر الوطني من الاستعمار الى أنظمة «استعمار وطني». المجلس العسكري يقود «عودة» الاستعمار الوطني إلى السيطرة، بالأمن وبعقلية العسكرة في صف واحد خلف «جنرالات» القوة الصلبة. «٢٥ يناير» صنعت حلماً جديداً في مواجهة قوى «الاستعمار الوطني» التي تدافع عن مواقعها بشراسة متناهية. لا يملك مجلس الجنرالات سوى عقلية «الاستعمار» و«احتلال المواقع» في مواجهة عقلية متحرّرة حرّرت الميادين وأعادت هندسة الشوارع. الثورة علم تغيير العقليات والقيم. هذا ما لم يفهمه المنتمون الى العقليات القديمة. الحرية تقلقهم وتهدّد سلطتهم لأنها تعتمد على قانون جديد لا تسقط إليه الأوامر من الأعلى.
المجلس يحكمه هرم سلطوي، لكن هذا يصلح داخل مؤسسة عسكرية، وهذا جزء من انزعاج المجلس لأنهم انتقلوا الى مجال آخر من دون استعداد لتحمُّل قوانينه؛ فالسياسة ليست أوامر، بل لعبة إقناع وتفاوض. لماذا لا يفكر المجلس العسكري من جديد: من السهل أن تحكم شعباً بعقلية قديمة، لكن هل تضمن ألا تصل الى نفس الكارثة؟ من الذي أوصل مصر إلى هذا الوضع الذي يرى فيه الثوار مبارك جديداً في المجلس، ويرى الجنرالات الثوار «شوية عيال»؟ مصر لن تعود إلى «الاستعمار الوطني»، ومن يفكّر في هذا فإنه يفتح أبواب الجحيم. ومن يفكر بالانتقام من «عيال التحرير»، فإنه يقود مصر إلى كارثة، تماماً مثلما فعل مبارك.
II
روح الثورة لا تزال تتجول في الشوارع. لم تتحول الى وعي سياسي أو الى تنظيمات بعد، لكنها لا تزال قادرة على ازاحة كيانات كبيرة وتحطيم أساطير. لم يتخيل أحد أنّه يمكن الاقتراب منها. سرعة تحطيم الأساطير لا تُرضي الثوار، وتصيب المنتظرين للتغيير السريع بنوع من الإحباط. ولأن الثورة في مصر بدون «كتالوغ»، ولا سلطة، فقد قامت عكس التيار ونجحت في إسقاط رأس النظام. الآن، بات عليها أن تسير عكس تيار صنعته السلطة عندما أيقظت الثقافة القديمة ولعبت على الرعب من المجهول. الثقافة الجديدة تشق طريقها بصعوبة، لكن لها تأثير كبير، وأكبر مما يتخيل الثوار أنفسهم. مَن كان يتخيل أن المزاج العام سيرفض حكم العسكر؟ أقصى أحلام المساندين للمجلس العسكري، لا يكمن في جمهورية يحكمها فرعون جديد، بل في اتاحة الفرصة للمجلس للسيطرة على الأوضاع. لا يريد الناس فرعوناً جديداً، ويعرفون أن مصلحتهم هي مع «الثورة»، لكنهم لا يصدقون سوى السلطة. يتخيّلون حنانها، ويحتمون بها من رعب المجهول. لهذا، فمن مصلحة السلطة رفع درجة الخوف من المجهول، وصناعة أعداء من الثورة. المجلس لا يريد الميدان. لا يريده رمزاً لقوة تنافسه على قيادة المرحلة الانتقالية. المجلس لا يريد الحكم. يدرك أنه لم يعد مقبولاً ولا ممكناً أن يحكم جنرال جديد حتى ولو ارتدى ملابس مدنية. أين المشكلة اذن؟ المجلس يريد السيطرة على المرحلة الانتقالية، لا حمايتها فقط. يريد تثبيت موقعه في النظام الجديد. لا يريد أن يحكم من وراء رئيس. يريد أن يصنع وجوده بعيداً عن حسابات أي رئيس. لهذا لا بد له من أن ينجح في السيطرة على أحوال البلد، ولا بد له أيضاً من أن يبعد كل قوى يمكنها أن تنافسه في تشكيل النظام الجديد.
III
لا يريد الجيش أن يحكم. لكنه يريد أن يكون «اليد العليا» على الدولة. ولأن العقلية العسكرية لم تتعود التفاوض مع السياسيين، يسعى إلى فرض «الأمر الواقع» على «الثورة»، وهذا على ما يبدو سرّ القوة المفرطة التي يستخدمها المجلس ضدّ المعتصمين في ميدان التحرير، وضدّ أية مجموعة تُعيد للميدان روحه المفقودة. الوجود العسكري المكثف رسالة لبث الرعب وإعلان السيطرة على الميدان. وفي الميدان، كوكتيل من أجهزة أمنية يريد أن يثبت من خلالها أنه المسيطر، ويمارس عنفاً مادياً ومعنوياً لا يبرره شيء. العنف هو الوسيلة المتاحة أمام عقلية لا تعرف شيئاً في السياسة، ويؤيدها أقوى حزب في مصر: «حزب الاستهلاك». حزب يأكل كل الأفكار ويضعها في المفرمة، من الدين إلى الجنس إلى الثورة، ويستهلك حتى الفكرة الأصولية مثلما استهلك قبلها تحالف قوى الشعب العامل. الاستهلاك يلتهم الرموز الكبيرة للتيارات الاسلامية ويفكّكها ويحوّلها إلى سلع.
حزب الاستهلاك يلتهم الثورة من مولدها ويحولها الى «تيشيرتات» وأغان ودبابيس وأعلام وبرامج لا يخلو منها سؤال «إنت نزلت التحرير». السؤال يتكرر بجوار أسئلة عن حروب الغيرة الفنية، ومع شخصيات تقول رأيها في الثورة بوصفها الحزب المعارض، فيصبح مثلاً طلعت زكريا نموذجاً للنقاء المواجه للثورة، لأنّه لا يريد تغيير تأييده لمبارك، وعمرو مصطفى قائد الثورة المضادة. يقدَّمون في إعلام يعتمد على الاستهلاك بأنهم «الطرف الآخر» رغم أنهم منتجات مشروع مبارك في صناعة المسخ البشري. هم ضحايا لا بد من التعاطف معهم، لا عدّهم نماذج معادية للثورة. ومع حزب الاستهلاك وكوكتيل أجهزة القمع… تبدو الثورة في خطر.




البدء بإجراءات إنهاء الطوارئ

أعلن المتحدث باسم الحكومة المصرية، محمد حجازي، أمس، أن الحكومة بدأت اجراءات لإنهاء حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ ثلاثة عقود. وقال حجازي «قررت الحكومة اتخاذ الاجراءات اللازمة لإنهاء حالة الطوارئ بالتنسيق مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة». وكان المجلس الحاكم، الذي يدير البلاد حالياً، قد تعهد بإنهاء العمل بقانون الطوارئ. من جهة ثانية، اتهم قاضي تحقيق مصري، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي الأسبق أمين أباظة (الصورة)، ورجل الأعمال، عمرو منسي، في وقائع فساد تتصل بالاستيلاء على أراض تابعة للوزارة بطريق غير مشروع. وقالت وسائل الإعلام المصرية إن قاضي التحقيق في وقائع الفساد بقطاعات وزارة الزراعة المستشار، أحمد إدريس، أحال أباظة وعمرو منسي إلى محكمة الجنايات بمدينة الإسماعلية إحدى مدن قناة السويس. وأُلقي القبض على منسي قبل أيام وصدر قرار بحبسه على ذمة التحقيق، بينما كان أباظة مسجوناً على ذمة التحقيق منذ أسابيع.
وقالت وكالة «أنباء الشرق الأوسط» إن الوزير الأسبق ورجل الأعمال أُحيلا إلى محكمة جنايات الاسماعيلية «في قضية استيلاء عمرو منسي على مساحات شاسعة من الأراضي في سيناء والإسماعيلية بدون وجه حق». وأشارت إلى أن منسي حصل على الأراضي بقرارات من أباظة، وأن هذا يمثل أيضاً إهداراً للمال العام.
(رويترز، أ ف ب)