القاهرة | ماذا يعني توافق عدد كبير من القوى السياسية ومرشحي الرئاسة المصرية على «وثيقة الأزهر»؟ يعني أنّ مؤسسة الأزهر، قبلة الإسلام الوسطي، في طريقها إلى استرداد دورها التاريخي، ويعنى أيضاً، وهو الأمر الأهم، أن التناحر الذي كان عنوان النقاش في الفترة الماضية بين معظم التيارات بسبب كثرة الوثائق الدستورية، بات في طريقه إلى الاختفاء. قيمة الأزهر ظهرت في حالة «لمّ الشمل» التي لم تألفها مصر منذ تنحّي الرئيس السابق حسني مبارك؛ فللمرة الأولى، يجتمع محمد البرادعي مع عمرو موسى وسليم العوا وأيمن نور. وللمرة الأولى يجلس «الإخوان المسلمون» ويتفقون، بل يرحّبون بما أعلنه عدد من المثقفين واليساريين.


لكن لا ننسى أن هناك أكثر من تيار يرفض هذه الوثيقة ويقود حملة ضدها، منهم «ائتلاف النهوض بالأزهر» الذي نظم أول من أمس، أثناء لقاء شيخ الأزهر أحمد الطيب بممثلي التيارات السياسية، وقفة احتجاجية ضد الوثيقة، ووصفوها بأنها «تؤسس لدولة علمانية إلحادية لا تمت إلى الإسلام والعروبة بصلة، ولا تمثل إلا الذين ناقشوها ووافقوا عليها فقط». ليس هذا فحسب، بل ذهب معارضو الوثيقة إلى اعتبار أنها «تدعو إلى محو الهوية الإسلامية والعربية، وتؤكد ممارسة ديكتاتورية الأقلية على الأكثرية وتسوّي الديانة الإسلامية بغيرها، وتبيح إعلان الطقوس المخالفة للشريعة الإسلامية، وعدم المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية».
يستطيع المرء بسهولة أن يميز ما بين الأصوات الرافضة لبنود «وثيقة الأزهر»، وهي أصوات خرجت أكثر من مرة لتطالب بإقامة دولة دينية، لذلك ربما تعمّد الأزهر أن تخلو وثيقته من لفظ «مدنية» نظراً الى حساسية هذا اللفظ بالنسبة الى التيارات الإسلامية. لكن غياب هذا المصطلح عن التعريف، الذي قدمته «وثيقة الأزهر» للدولة الحديثة، نال انتقاد الكثيرين، لأنّ خلو الوثيقة من هذا التوصيف، الذي يُعد أبرز شعارات ثورة 25 يناير، يمثل قصوراً حقيقياً في تعريف الدولة الحديثة.
الأزهر من جانبه، حاول إرضاء جميع الأطراف، حيث برر مستشار شيخ الأزهر، محمود عزب، خلو الوثيقة من كلمة مدنية قائلاً إن «تعريف دولة مدنية وفقاً لوثيقة الأزهر يعني دولة ديموقراطية وطنية وحديثة»، موضحاً أن الأزهر لا يرفض وصف الدولة بـ«المدنية»، بل يرفض غموض المصطلح وصعوبة شرحه». لكن بداية الرفض من التيارات الإسلامية كانت بسبب أن الأزهر تبنّى وجهة نظر عدد من المثقفين العلمانيين من أصحاب اقتراح الوثيقة، ولم يدعُ لمناقشتها مع باقي التيارات الإسلامية، لذلك لم يكن غريباً أن تشهد «جمعة تطبيق الشريعة» هتافات تندد وتشكك بنوايا الأزهر الذي خضع للعلمانيين ــــ على حد وصف التيارات الإسلامية. وهنا يبقى السؤال: لماذا وافقت جماعة الإخوان المسلمين وبعض السلفيين على الوثيقة رغم أن قادة الجماعة هددوا الجيش صراحة إذا ما وافق بالالتفاف على الاستفتاء واللجوء إلى مبادئ أو وثيقة حاكمة؟ لأن الأزهر أعلن أن وثيقته استرشادية وغير ملزمة، ولا تعني إلغاء الاستفتاء على المواد الدستورية، مشيراً إلى أنها طبقاً لما جاء على لسان شيخ الأزهر «مجرّد إطار قيمي يصون شعبنا وثوابته ويعتبر الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية من ثوابت المطالب الوطنية بكل ما تستوجبه من مواطنة كاملة وتداول حقيقي للسلطة يمنع احتكار أي فريق لها». أحد قياديي «الإخوان»، التقط خيط الحديث من الشيخ أحمد الطيب للتأكيد أن الوثيقة «استرشادية للّجنة التأسيسية للدستور الجديد»، لافتاً إلى أن التوقيع على الوثيقة يقطع الطريق أمام الجدل المتفجر على الساحة السياسية في الفترة الأخيرة».
حزب «الوسط الإسلامي» رفض حضور مناقشة الوثيقة، مبرراً قراره بأن قوى ليبرالية وعلمانية ويسارية «استدعت الدين من خلال الأزهر للدخول في العملية السياسية، وهو ما يُعد خطراً يهدّد كيان الأزهر والعملية السياسية أيضاً، لأن الأزهر لا يجوز له أن يكون طرفاً سياسياً». يرى «الوسط» أن استدعاء الأزهر في العملية السياسية مدخل الى استدعاء الكنيسة، وهو ما لن يستطيع أحد منعه.
حالة الريبة الإسلامية من الوثيقة قابلها ارتياح من كل القوى السياسية، وترحيب بعودة الأزهر إلى حلبة النقاش المجتمعي وترسيخ قيم المواطنة من خلال لجوء أصحاب الديانات الأخرى، غير الإسلام، بالرجوع إلى أديانهم في ما يخص أحوالهم الشخصية. مرشحو الرئاسة الذين اصطفوا أول من أمس بجوار الإمام الأكبر، اتفقوا على أهمية مبادرة الأزهر في فك الاشتباك الدائر منذ تنحي مبارك، حيث قال البرادعي إن أهمية الوثيقة تنبع من كونها «تحافظ على الهوية المصرية وتحفظ قيم الحرية والعدالة والمساواة». بدوره، رأى سليم العوّا أن «الوثيقة تعبّر عن ضمير الأمة الذي لا يختلف فيه صاحب فكر إسلامي أو آخر يساري أو ليبرالي». موقف مشابه أعرب عنه عمرو موسى عندما طمأن إلى أن «المبادئ التي طرحها الإمام الأكبر كافية، ولا نحتاج الى وثيقة جديدة». الأحزاب أيضاً اتفقت ودعت إلى الموافقة على الوثيقة؛ حزب الوفد وصفها بـ«التوافقية»، ودعا كل القوى السياسية الى الالتزام بها، إذ جاء في بيان له أن «هذه الوثيقة الدستورية تجمع بين النقاط المشتركة لكل الوثائق الدستورية التي تم إصدارها»، مؤكداً أنها كافية للخروج من أزمة القوى السياسية حول المبادئ الدستورية وشكل الدستور الجديد»، ومذكراً بأنه ليست هناك حاجه لإصدار إعلان دستوري من قبل المجلس العسكري يتضمن مبادئ حاكمة للدستور الجديد. التوافق الكبير على هذه الوثيقة جعل الحكومة تعلن على لسان نائب رئيسها، علي السلمي، أنها في طريقها إلى إصدار وثيقة دستورية تجمع بين كل الوثائق التي أصدرتها القوى الوطنية، وفي مقدمها «وثيقة الأزهر». السلمي أوضح أيضاً أن وثيقة الحكومة ستأتي باعتبارها مبادئ توافقية حاكمة للدستور الجديد، مشيراً إلى وجود مشاورات تجريها الحكومة في الوقت الحالي مع كل القوى الوطنية والتيارات المختلفة حول المبادئ الحاكمة للدستور. فهل تنجح الحكومة في «لمّ شمل» القوى السياسية كما فعل الأزهر؟




الجيش: مدنيّة الدولة قضيّة أمن قومي

رأى رئيس أركان الجيش المصري، سامي عنان (الصورة)، أمس، أن «مدنية الدولة في مصر قضية أمن قومي ولا مساومة عليها». ونقلت صحيفة «الأهرام» عن عنان قوله، خلال اجتماع مع عدد من السياسيين والصحافيين والمثقفين، إن «مدنية الدولة قضية أمن قومي لا مساومة فيها أو عليها»، محذراً من وجود «قوى خارجية تتربّص بمصر وتسعى الى التدخل في شؤونها». وأضاف عنان إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم «يصرّ على تسليم البلاد الى سلطة مدنية من خلال برنامج عملي محدد وإجراء انتخابات حرة يضرب بها المثل». ويأتي تصريح عنان عن تمسك القوات المسلحة بـ«مدنية الدولة» بعد مخاوف من هيمنة الحركات الإسلامية على السلطة السياسية في مصر، وخصوصاً بعد التظاهرة الحاشدة التي نظمتها جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية في 29 تموز الماضي، والتي كانت الأكبر من نوعها منذ الانتفاضة التي أطاحت الرئيس المخلوع حسني مبارك. كما يأتي هذا التصريح فيما تشهد مصر جدلاً حول الاتفاق على مبادئ للدستور الجديد تضمن مدنية الدولة وحرية العقيدة والمساواة بين كل المواطنين، في مقابل رفض الإسلاميين الالتزام مسبقاً بهذه المبادئ.
(أ ف ب)