غزة | قضى سكان قطاع غزّة ليلة «مرعبة»، أمس، شبيهة بليالي العدوان الإسرائيلي الأخير قبل أكثر من عامين. لم يستطع كثيرون منهم النوم، بفعل قوة الانفجارات الناجمة عن غارات مكثفة شنّتها طائرات حربية إسرائيلية، ردّاً على «تسلُّل الخلية التي نفّذت عملية إيلات من القطاع عبر سيناء المصرية»، بحسب ادعاء حكومة الاحتلال، وهو ما تسببت بمقتل 8 إسرائيليين وجرح العشرات.

وشنّت طائرات ومروحيات حربية إسرائيلية، منذ مساء أول من أمس، سلسلة غارات جوية على مبان حكومية ومواقع أمنية وعسكرية، وأنفاق تهريب، في مختلف مدن القطاع، أدّت إلى استشهاد طفل وقائد فصيل فلسطيني و4 من رفاقه، اضافة الى إصابة نحو 20 آخرين بجروح متفاوتة. واستشهد الطفل محمود عاطف أبو سمرة (13 عاماً) وأُصيب آخرون، فجراً، في غارة جوية استهدفت محيط منزله في منطقة السودانية شمال مدينة غزة، كما دمّرت غارة جوّية نفّذتها طائرة حربية إسرائيلية مبنى المكتبة الوطنية (وهي قيد الإنشاء)، التابع للحكومة المقالة التي تديرها حركة «حماس»، ومبنى آخر في مجمع أنصار الأمني، غرب مدينة غزة. وقال سكان في محيط مجمع أنصار إن «طائرات حربية من طراز «إف 16» قصفت بعدّة صواريخ مبنى المكتبة الوطنية ومجمع أنصار الأمني وتسببت بتدميرهما، وبإلحاق أضرار مادية جسيمة في عدد من المباني الحكومية الأخرى، والمنازل والشقق السكنية في محيط أكثر من كيلومتر مربع».
كذلك استهدفت عدّة غارات جوّية مواقع تدريب تابعة لـ «كتائب عزّ الدين القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس» في مختلف مناطق القطاع، وتسبّبت بإلحاق أضرار مادية جسيمة فيها، من دون وقوع إصابات بشرية في المواقع التي أُخليت من الأفراد تحسباً من عمل عدواني. وتسبّب قصف جوّي في محيط محطة توليد الكهرباء في المحافظة الوسطى من القطاع، بانقطاع التيار الكهربائي عن أجواء واسعة من المحافظة، وإصابة فلسطينيين اثنين بجروح طفيفة، أحدهما امرأة حامل.
وكشفت مصادر طبية ومحلية فلسطينية في مدينة رفح الجنوبية، أنّ «عاملاً فُقدت آثاره في نفق للتهريب تعرض لقصف نفذته طائرة حربية إسرائيلية في حي السلام» على الحدود الفلسطينية ـــــ المصرية، كما أشار شهود عيان إلى أن الطائرات الحربية الإسرائيلية شنت عدّة غارات مكثفة على أنفاق التهريب، ما تسبب بوقوع عدة إصابات وأضرار مادية جسيمة في الأنفاق المستهدفة وعدد من المنازل السكنية المجاورة.
من جهة ثانية، أعلنت مصادر طبية عن استشهاد الناشط في صفوف كتائب عز الدين القسام أشرف عزام (30 عاماً) متأثراً بجراح خطيرة أُصيب بها نتيجة غارة جوية شُنت على حي الزيتون شرق مدينة غزة فجر الثلاثاء الماضي. ووسط مخاوف من استمرار التصعيد الإسرائيلي، أعلن جهاز الإسعاف والطوارئ في غزّة حالة التأهب، مطلقاً تحذيرات من خطورة الوضع الصحي بسبب النقص الحاد في عدد من الأدوية والمستهلكات الطبية.
وهرع سكان القطاع الى المخابز والمحال ومحطات الوقود للتزوّد باحتياجاتهم وتخزين كميات إضافية من الخبز والوقود والمواد الغذائية، تحسّباً من تطورات تصعيدية في الاعتداءات إلى حالة حرب شاملة. وأظهرت الطوابير الطويلة على المخابز ومحطات الوقود قلقاً كبيراً في أوساط الغزيّين من احتمال تدهور الأوضاع الأمنية والميدانية إلى عدوان مماثل لـ «الرصاص المصهور»، الذي أودى بحياة 1400 فلسطيني، إضافة إلى آلاف الجرحى ودمار هائل طيلة 22 يوماً. ونتيجة حالة الهلع هذه، نفد الوقود والسلع من الأسواق في غزة، فيما استغل التجار الوضع لرفع الأسعار، ما دفع بشرطة حكومة «حماس» إلى التحذير من مغبة استغلال الظروف الراهنة، مؤكّدةً أنّها تعمل على توفير الأمن ما استطاعت، رغم إخلاء جميع مقارها ومواقعها.
ووضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصفية القياديين في لجان المقاومة الشعبية في خانة «الرد الأولي» على هجمات إيلات. ونقلت وسائل إعلام عبرية عن نتنياهو قوله، خلال معايدته جرحى الهجمات قرب مدينة إيلات في مستشفى سوروكا في مدينة بئر السبع، «لقد قمنا بتصفية قادة التنظيم الذي أرسل المخربين، لكن هذا كان رد فعل أولياً فحسب». وتابع: «لدينا سياسة تقضي بأن نجبي ثمناً غالياً جداً ممن يهاجمنا، ويجري تنفيذ هذه السياسة على نحو فعلي على أرض الواقع».
وفي السياق، رأت رئيسة حزب «كديما» المعارض، تسيبي ليفني، خلال معايدتها الجرحى في المستشفى نفسه، أن «حدود مصر لم تعد حدود سلام بعد الآن». وأضافت «علينا أن نغيّر مفهومنا تجاهها (الحدود) وهؤلاء (المسلحون) لم يكونوا متسلّلين يسعون إلى العمل، بل هم يريدون القضاء علينا، ويجب أن نغيّر النظرة إلى هذه الحدود»، مجددة تأكيدها أن حزبها «سيؤيد شن حرب ضد الإرهاب وتنفيذ العمليات العسكرية المطلوبة لمنعه».
في هذه الأثناء، ردّ نشطاء في فصائل المقاومة على التصعيد العسكري الإسرائيلي بإطلاق صواريخ «غراد» روسية الصنع وصواريخ محلية الصنع على أهداف وبلدات إسرائيلية في الأراضي المحتلة. وتبنّت «أولية الناصر صلاح الدين»، الذراع العسكرية للجان المقاومة الشعبية، مسؤولية إطلاق عدد من هذه الصواريخ في إطار ردّها على عملية اغتيال الأمين العام للجان كمال النيرب «أبو عوض» وأربعة من كبار مساعديه، ونجل أحدهم، في غارة جوية على مدينة رفح مساء الخميس.
وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية إن 10 إسرائيليين جُرحوا بشظايا صاروخ «غراد» سقط على معهد ديني يهودي في مدينة أشدود صباحاً، فيما وصفت الإذاعة الإسرائيلية العامة جروح اثنين من المصابين بأنها خطيرة، وجروح آخر بالمتوسطة، بينما أصيب الباقون بجروح طفيفة، كما دعت الشرطة الإسرائيلية، بحسب الإذاعة العامة، الإسرائيليين في المنطقة الجنوبية إلى ملازمة المناطق المحمية تحسباً لاستمرار تساقط الصواريخ من غزة. كذلك أعلنت مصادر إسرائيلية سقوط صاروخين من طراز «غراد» في مدينة بئر السبع، وأربعة صواريخ في مدينة عسقلان في وقت سابق، هذا فضلاً عن سقوط عدة صواريخ محلية الصنع في منطقة النقب الغربي المتاخمة للقطاع.
إلى ذلك، شارك عشرات الآلاف في مدينة رفح في تشييع أبو عوض النيرب، والشهداء الخمسة الآخرين، وسط حال من الغضب الشديد، ومطالبات بالردّ والانتقام. وتوعّد متحدثون باسم الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة خلال مسيرة التشييع، بالردّ سريعاً على جريمة الاغتيال.




حزب الله يُشيد بـ«العمليّة البطوليّة»

أشاد حزب الله، أمس، بـ«العملية البطولية» التي نفذها مقاومون في منطقة إيلات بجنوب فلسطين المحتلة، بينما دعت الحكومة الفلسطينية المقالة التي تديرها حركة «حماس» في قطاع غزة، جامعة الدول العربية لعقد جلسة طارئة عاجلة على مستوى وزراء الخارجية، من للرد على «جرائم الاحتلال واتخاذ الموقف المناسب تجاهها». وعبّر حزب الله، في بيان، «عن افتخاره بالمقاومين الأبطال الذي نفذوا هذه العملية، إلى أي جهة انتموا، ويرى أنّ ما قاموا به هو الأسلوب الوحيد الذي يمكن من خلاله إفهام العدو أن هذه الأرض هي أرضنا وأنه لا يمكنه أن يبقى محتلاً لها إلى الأبد». ووضع الحزب هذه العملية «في إطار العمل المقاوم الذي يحقق الإرادة العربية والإسلامية التي ترى في فلسطين كلها من البحر إلى النهر أرضاً مقدسة ملكاً لأهلها لا يمكن التنازل عن أي جزء منها للعدو الصهيوني الغاصب». وأدان الحزب أيضاً «الاعتداءات الوحشية التي نفذتها آلة القتل الصهيونية بحق المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، وبحق القوات المصرية، والتي أدت إلى وقوع عدد من الشهداء والجرحى في صفوفهم». من جهة ثانية، دعت الحكومة الفلسطينية المقالة في قطاع غزة، جامعة الدول العربية إلى عقد جلسة طارئة عاجلة على مستوى وزراء الخارجية العرب. وقال نائب رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، سلامة معروف، خلال مؤتمر صحافي في غزة، إن «ما جرى من استهداف للمدنيين وللمؤسسات الحكومية والأماكن السكنية المأهولة، جريمة ترقى ليحاسب عليها الاحتلال بمحكمة الجنايات الدولية ويعاقب عليها القانون الدولي الإنساني».
وأشار إلى أن الطائرات الإسرائيلية استهدفت بتعمد مؤسسات مدنية كدار الكتب الوطنية التي تقع وسط العديد من المباني الحكومية المدنية والمنازل المأهولة بالسكان وسط غزة، ما ألحق دماراً واسعاً بكل من مبنى وزارة العدل وديوان الموظفين العام والمكتب الإعلامي الحكومي. وتابع أنّ «الدمار الواسع بالمقارّ لن يثني الحكومة عن مواصلة تقديم خدماتها لأبناء الشعب الفلسطيني»، مضيفاً أنّ «العمل سيتواصل كالمعتاد حتى لو كان داخل خيام على أنقاض المقارّ». ودعت الحكومة المقالة المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية المعنية، في مقدمتها الأمم المتحدة وأمينها العام بان كي مون، «لتحمل مسؤولياتها والوقوف أمام دورها المفترض باتخاذ موقف واضح من هذا العدوان».
(يو بي آي)