في مدينة نتانيا الإسرائيلية، القريبة من تل أبيب، تسكن امرأة تُدعى غيتا بوارون، حزينة على سقوط معمّر القذافي. منذ سنوات، تدّعي هذه المرأة الإسرائيلية أنّها قريبة العقيد الليبي، «أخت جدّتي كانت جدّة القذافي»، قالت في أكثر من مناسبة. تؤكّد بوارون أنّ «القذافي رجل طيب، لقد أنهوه، حتى إنّهم أخذوا منه أولاده». تصريحاتها هذه جاءت قبل الظهور المفاجئ لسيف الإسلام القذافي وحديثه لوسائل الإعلام.

حتى اللحظة، لم تتضّح صحة حديث بوارون، ولن يُسرع أحد من قادة الدولة العبرية، على ما يبدو، لإثبات تلك الصلة المعقدّة بينها وبين العقيد. الأمر ليس مهماً، ولا مكسب سياسياً من ورائه. ما يهم الدولة العبرية فعلاً من سقوط القذافي، هو تأثير تلك الثورة على حدودها الشمالية، بكلمات أخرى، ماذا عن مستقبل الرئيس السوري بشّار الاسد؟ هل سيأتي دوره؟

لم تعلن إسرائيل الرسمية موقفها من المجلس الانتقالي أو من نهاية «الوضع الراهن» مع الدولة العربية البعيدة. فليبيا تحتل، استراتيجياً، مكانة أقل أهمية بالنسبة إلى تل أبيب، اذ لا حدود بينها وبين إسرائيل، ولا خوف من «القادمين» الجدد إلى السلطة، طالما أن الأميركيين في الصورة، إضافة إلى العلاقات الطيبة التي تسود العلاقات بين تل أبيب وحلف شمال الأطلسي.
كان الاهتمام، ولا يزال، أكبر في ما يتعلق بمصر مثلاً. فقد كان سقوط نظام حسني مبارك أشدّ وقعاً، ونال ما يفيض عن كفايته من التحليلات على كافة المستويات في تل أبيب، وخصوصاً أن تداعيات الثورة لم تتوقف حتى اللحظة، ووصلت أخيراً إلى عقر دار السفارة الإسرائيلية.
لكن المعلّقين الاسرائيليين عينهم الآن على دمشق، وعلى الدور الأميركي في المنطقة مجدداً. ويرى المحلل العسكري لموقع «يديعوت احرونوت» الالكتروني، رون بن يشاي، أنّ تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا ساهم في رفع نقاط الدول الأوروبية وتحسين الصورة المتدهورة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وقال إنّ نهاية القذافي القريبة «من شأنها أن تكون بداية إشارات الى العد التنازلي لنظام بشار الأسد في دمشق»، مشيراً إلى أنّ انتصار المتمردين في ليبيا سيبث روحاً مساندة للمنتفضين في سوريا ودول أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكنه ينوّه إلى أن هذه التطورات، في حال حدوثها، لن تكون سريعة أو دراماتيكية.
ويوضح أنه في ما يتعلق بسوريا فإنّه «ما دام الجيش في سوريا ولياً للأسد ونظامه، وما دامت الطبقة الوسطى في المدن الكبرى لا تنتفض فإن الأسد سيصمد»، قبل أن يضيف «من الواضح أنّ سقوط القذافي سيكون له تأثير إيجابي على عزيمة المنتفضين في سوريا، ما سيمنع تراجع الانتفاضات، لكن مع هذا، لن يكون كافياً ولن يأتي هذا بمتمرّدي سوريا الى هدفهم».
لكن معلق الشؤون العربية لصحيفة «هآرتس»، تسفي بارئيل، رجح أن يكون الجزء الثاني للثورة الليبية أصعب من الجزء الأول، وخصوصاً أنّ هناك تحديات تنتظر المجلس الانتقالي. وفي ما يتعلق بثورات العالم العربي، قال بارئيل إنّ هناك في العالم العربي «اثنين من القادة ينتظران في الدور» في إشارة إلى الرئيسين السوري بشار الأسد واليمني علي عبد الله صالح، وأضاف «كل واحد منهما متأكد أن مصيره وحظه أكثر حظاً من نظرائه».
وكتب محلل الشؤون العربية للقناة الإسرائيلية الأولى، عوديد غرانوت، في «معاريف» أنهم «في طهران ودمشق ترقبوا باهتمام كبير العملية العسكرية الناجحة للأطلسي في ليبيا»، وأنه «إذا كان هناك شيء واحد يستطيع الاسد و(الرئيس الايراني) أحمدي نجّاد استخلاصه من هذه العملية فهو أن القذافي كان غبياً عندما تنازل عام 2003 بإرادته عن تطوير قنبلة نووية وكيماوية وحوّل نفسه الى هدف سهل».
وعن الدور الفاعل للولايات المتحدة، فقد لحظ الكاتب إنشيل فيفر في صحيفة «هآرتس» أن هناك تراجعاً في نفوذ أوباما في سوريا. وقال «مع سقوط القذافي، على الادارة الأميركية أن تلائم سياستها تجاه سوريا، لكن مرة أخرى، يبدو أنهم سيصلون متأخرين»، مبيناً أن من يقرر الآن في سوريا هم «ممولو الأسد في طهران، الذين سيفعلون كل ما بوسعهم من أجل الحفاظ على محور إيران سوريا ولبنان، ورئيس حكومة تركيا رجب طيّب أردوغان، الذي بسط رعايته على المعارضة السورية». وتابع «ممثلو المتمردين اجتمعوا أمس (قبل أيّام) في إسطنبول من أجل وضع خطة ما بعد سقوط الأسد، الذي لا يشكّك أحد في أنّه سيأتي قريباً. وكان واضحاً بالنسبة إليهم أن معلمهم لا يجلس في واشنطن بل في أنقرة». نهاية النظام في ليبيا تأتي مغايرة للمعنى الكلاسيكي لنهاية الثورات العربية الأخرى، في تونس ومصر.
صحيح أنّها بدأت على نحو مشابه مع خروج الثوّار إلى الميادين والشوارع، لكنّها لم تنته كذلك، وخصوصاً في أعقاب تدخل حلف شمالي الأطلسي، الذي قدّم ما يقارب أكثر من 7300 إقلاع جوي، وحملة تجسس بطائرات دون طيّار كانت كفيلة بإيقاع مؤيدي النظام.
والإعلام الإسرائيلي ينظر الى القضية الليبية بثلاثة أبعاد. الأول هو تأثيرها على الدور الأميركي في المنطقة، والثاني تأثيرها على المجريات في الشرق الأوسط على نحو عام، وفي نهاية المطاف، تأثيرها على سوريا.