دمشق | لا يمكن زائرَ مخيّم اليرموك، أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا، تجاهُل ارتدادات الحركة الاحتجاجية السورية على آراء أبنائه، والأحداث التي دارت فيه أخيراً، حيث خرجت تظاهرات تضامن مع مخيم الرمل الفلسطيني في مدينة اللاذقية الساحلية، في ظل توارُد أنباء عن إرغام اللاجئين هناك على مغادرة منازلهم، لتتمكن القوات العسكرية والأمنية من وأد الحركة الاحتجاجية المندلعة في الأحياء المحيطة بالمخيم والمتاخمة له. التظاهرة التي انطلقت في 16 آب الجاري من أمام مسجدي أويس القرني قرب دوار فلسطين، ومسجد عبد القادر الحسيني بالقرب من ساحة أبو حشيش وشارع المدارس، ورفعت شعارات متضامنة مع أهالي مخيم الرمل، مندِّدةً بالصمت الذي التزمته الفصائل الفلسطينية تجاه أحداث «الرمل»، هاجمها كوادر وقادة بعض الفصائل الفلسطينية، ومن يوصفون عادة بـ«الشبيحة» من الفلسطينيين. هؤلاء منعوا التقاء التظاهرتين، واعتقلوا شاباً مشاركاً في التظاهرة يُدعى عبد الناصر جياب، وهو في مطلع الثلاثينيات من عمره. وقد أعطى هذا السلوك إشارة واضحة إلى ما قد تحمله الأيام المقبلة بالنسبة إلى اليرموك ولاجئيه. ويتناقل الناشطون الفلسطينيون من المتعاطفين مع الانتفاضة السورية، أسماءً لأبناء قادة في الفصائل المذكورة، متهمين إياهم بتنظيم وقيادة مجموعات من «الشبيحة» أثناء قمع الاحتجاجات، وخاصة في بداية انخراط جوار المخيم في «الحجر الأسود» ومنطقة «القدم» في الاحتجاجات، ما أدى في حينها إلى إثارة مشاعر من الغضب تجاه الفلسطينيين القاطنين في المنطقتين، واتهام اللاجئين بدعم النظام. وما يزيد من غضب أبناء المخيم، الذين تحدثت «الأخبار» معهم، المسيرات المؤيدة التي يسيّرها كوادر تلك الفصائل ومن يُستقدمون من خارج المخيم، من دون أن يغفلوا حالة الخوف الشديدة التي تلف المخيمات وهم يتابعون، كغيرهم، ما يدور في سوريا أولاً بأول، بالاحتكاك المباشر مع التحركات أو مع من يشاركون في فاعلياتها من سوريين وفلسطينيين.

ويشير شاب جامعي، شارك في إحدى تظاهرتي اليرموك، إلى أنه كان «يمارس كل اقتناعه» أثناء هتافه: «واحد، واحد، واحد، فلسطيني وسوري واحد». ويلفت إلى أنه يصيبه إحساس بالتناقض كلما وصف النظام السوري بـ«الممانع»، مذكراً بأن الحقوق الاجتماعية والمدنية للفلسطينيين في سوريا تعود إلى أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، أي إلى عهد الرئيس الراحل شكري القوتلي، مؤكداً أنّ «الشعب السوري هو الحاضن الفعلي والحقيقي للاجئين الفلسطينيين، وللمقاومة العربية والحق الفلسطيني العادل». ويشدّد الشاب الجامعي نفسه على أنّ مخيم اليرموك يجاوره إطار جغرافي سوري ملاصق، يسكنه نحو مليون ونصف مليون نسمة، لا يتعدى عدد الفلسطينيين منهم مئة وخمسين ألفاً، وهذا الرقم من السوريين مختلط من مختلف المحافظات والمدن التي شهدت في غالبيتها تظاهرات واحتجاجات. لذا، إنّ عدم مشاركة المخيم في الانتفاضة السورية قد حرم كتلة بشرية هائلة التحرك للتعبير عن رأيها بتظاهرات تنطلق من المخيم، مشيراً إلى أنّه ليس من حق المخيم (الموصوف بالمدينة) حرمان هؤلاء المعارضين التظاهر، في مقابل السماح بخروج مسيرات تأييد للنظام.
شاب آخر من أبناء المخيم، يعرّف عن نفسه بأنه متضامن بالكامل مع الحركة الشعبية المعارضة، يرفض بحزم أي مشاركة للمخيم أو أبنائه في أحداث هذه التحركات، مبرراً ذلك بتخوفه من مصير «مجهول» قد تحمله الأيام للفلسطينيين في سوريا، سواء بقي النظام أو رحل. ويستدرك بالتأكيد أن ثقته بتفهُّم الشعب السوري لأوضاع الفلسطينيين عامة، والمقيمين في سوريا خاصة، وعدم «صوابية» دخولهم المباشر خط الأحداث، هي أكبر مما يتوقعه من النظام السوري وحلفائه من فصائل فلسطينية إذا ما بقي في سدة الحكم؛ لأن النظام، على حد تعبير الشاب، توقعاته كانت أعلى بكثير ممّا وجده لدى القطاعات الشعبية الفلسطينية، لا بل إنه وجد انخراطاً مباشراً لها في بعض المخيمات في الدفاع السلمي عن الأحياء السورية التي تتعرض لدهم وعمليات أمنية شنها الجيش وقوات الأمن في الفترة الماضية. وينقل عن صديق له من درعا، تقديراً كبيراً يكنّه أهل المحافظة الجنوبية للمخيم الفلسطيني الصغير الذي سقط فيه عدد من الشهداء أثناء التظاهرات السلمية الاحتجاجية، أو خلال تهريب الطعام والدواء للمحاصرين في درعا، وهو المشهد الذي تكرر في مخيمات «الرمل» في اللاذقية، و«العائدين» في حماه، ومخيم حمص.
كاتب فلسطيني مقيم في مخيم اليرموك، انتقد «حملة القمع» التي تشنها فصائل «التحالف»، مباشرة أو بالواسطة، بحق الشبان الفلسطينيين المحتجين على التدخل العنيف للقوات الأمنية في مخيم الرمل، ويشكك الكاتب برواية وفد من مخيم اليرموك، معظم من قابلناهم وصفوا أعضاءه بأنهم مقرّبون ومتحالفون مع أجهزة النظام ومؤسساته، كان قد زار منذ أيام مخيم الرمل، وعاد بالانطباع نفسه الذي يحاول الإعلام السوري الرسمي إعطاءه، ومفاده أن لا مشاكل تُذكَر في مخيم الرمل، وهو ما ناقض بيان وكالة غوث اللاجئين «الأونروا».




«نصرة المظلوم» جزء من الهويّة الفلسطينيّة
يبدو الناشطون الفلسطينيون الشبّان، أكثر إصراراً على الذهاب في رفضهم لأعمال القمع المرتكبة بحق المخيمات الفلسطينية أو المدن والمناطق السورية، مقارنةً مع غيرهم من الكبار في السن. ويؤكّد عدد من هؤلاء الشبان أنّ نشاطهم لا يعني دعوة للمخيمات إلى التأييد أو الرفض الجماعي للنظام، محذّرين من أنهم سيضطرون للنزول إلى الشارع وحشد الدعم الشعبي، واضعين إطلاق سراح الناشطين الفلسطينيين المعتقلين على خلفية دعمهم الانتفاضة السورية على رأس جدول أولوياتهم. ويحذّر هؤلاء من أنهم لن يسمحوا بجر المخيم إلى مربع تأييد النظام، بالإضافة إلى اعتبارهم أن «نصرة المظلوم» هي جزء من هويتهم الفلسطينية التي نشأوا عليها، داعين إلى بحث القضية على الصعيد الوطني الفلسطيني، في منظمة التحرير الفلسطينية، ولدى مختلف الفصائل التي لم تخرج عنها مواقف مباشرة تؤيد النظام (كحركة حماس)، لدراسة أوضاع المخيمات الفلسطينية في سوريا خلال الفترة المقبلة، ورفع الصوت عالياً لرفض الاعتقالات والاعتداءات والضرب والتشهير الشخصي التي يتعرض لها هؤلاء الناشطون، على أيدي أجهزة النظام، أو من الفصائل الموالية.