ناجـــــــي


فقط في تلك اللحظة تمنيت لو فيَّ شيء منك. شيءٌ غير الكنية التي كثيراً ما سُئلت بسببها إن كان هناك من رابط عائلي يربطني بك. «شو بيقربلك ناجي؟»، غالباً ما كنت أُسأل. هكذا يقولون اسمك، حاف، من دون كنية: ناجي. فأجيب بحسرة غير مموهة «ما بيقربني، بس يا ريت كان بيقربني». فقط في تلك اللحظة، وأنا أنظر إلى باب مدرستي القديمة وانتظر سيارة تقلني من عين الحلوة إلى صيدا في طريق العودة إلى بيروت، تمنيت لو امتلك موهبتك لبضع دقائق. شيء ما جعلني أتذكر أستاذ الرسم وإصراره على معاقبتنا لفشلنا في درس تدرج الألوان. وتذكرت ذاك العام الذي استبدلت فيه حصة الرسم بالذهاب، بحجج مختلفة، إلى عيادة الأونروا. ولم أعد أذكر من أين أتتني المقدرة على اختراع علة مختلفة كل أسبوع، ولا كيف استطعت إقناع ناظر المدرسة بمنحي إذن الخروج كل مرة. أما في العيادة، فلم أكن أحتاج إلى الكثير من العناء للخروج من هناك «متل الشعرة من العجين».
فانهماك الكاتب في ترتيب بطاقات الدخول والإجابة عن عشرات الأصوات التي تسأل عن موعد دخولها إلى الطبيب الذي تأخر، كانت تسهّل عليّ الحصول على توقيعه الكريم، مؤكداً حضوري للعلاج من علّة ليست فيّ، فأعود إلى وجه الناظر المبتسم دون أن أرى وجه الطبيب الغارق في اوراقه. وفي طريق العودة، لا بد من المرور بسينما الكزماوي لمتابعة مشاهد من فيلم روكي أو رامبو.
كم مرّ على تلك الأيام؟ عشرون عاماً لا بل أكثر، تغيّرت خلالها معالم المخيم كثيراً. المنازل صارت أكثر ارتفاعاً، والطرقات أكثر ضيقاً، والشوارع اضيق. وحدها الحارات احتفظت بأسمائها المأخوذة من القرى الأصلية
لسكانها.
أما أهالي المخيم، فلم يفقدوا فلسطينيتهم، فشاركوا في منتصف أيار الفائت في مسيرة العودة لوأد النكبة، محوّلين ذلك اليوم إلى رمز الى تاريخ جديد، ومقدمين شهداء ثلاثة، أسقطوا عن المخيم شبهات فرّخت على حدوده أسلاكاً شائكة وجدراناً أسمنتية أين منها جدار برلين الساقط بعد رحيلك بسنوات او اين منها جدار الفصل العنصري الذي يخنق ويقطّع الضفة الغربية. ومن يوم تحول اهتمام أميركا إلى النفخ في مسخ يجعل منا أصحاب عقيدة متطرفة لا تشبهنا ولا تشبه الدين الذي نحن عليه، غرقت أزقة المخيم في أيام وليال كثيرة ببحر من الخوف. على الشريط الشائك الذي يفصلهم عن بلادهم يا ناجي وقف أبناء المخيم يصارعون الزمن. سخروا من الموت ومن الخوف ومن الأنظمة البالية التي تحتفظ بسلاحها لتقتل شعوبها ولا تعرف عن فلسطين غير «القيمة المضافة» التي لا تصلح لغير الخطابة ولتبرير شراء المزيد من السلاح والمزيد من النهب. لعل شعوبها تغرق في الفقر والجهل، فيثبت الولاء لسلطانهم الذي لن يدوم.
هناك يا ناجي بالقرب من فلسطين أثبت بنات المخيمات وأولادها صحة الفرضية التي كنت تؤمن بها، والتي أخبرنا بها جوزف سماحة في مقالته «هل تقبل تحالفاً مع أفريقيا يا ناجي»، الفرضية التي تقول إن «أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم». فبدا كل واحد منهم «حنظلة»، يرى فلسطين ولا يلتفت خلفه إلا لوداع شهيد أو لالتقاط حجر.
هناك في عين الحلوة وأنا أنظر إلى بوابة المدرسة الزرقاء الموصدة فكّرت في أن بداخلها، في إحدى زوايا الملعب، لوحة علّقت عليها أوراق عن مشروع مستورد عنوانه «السلام يبدأ من هنا». استفزّني ذلك العنوان وكنت قد رأيته في مخيم اليرموك الشهر الفائت. حتى إني اندفعت ناحية باب مدرسة «الشجرة» بغية تمزيقه، قبل أن ينهرني صديقي.
أيعقل أن مدرسة تحمل اسم قريتك المحتلة، تؤمن بسلام مع من يعلمون الأجيال الجديدة لفظ اسم الشجرة بالعبرية دون العربية؟ ألم يسمعوا أن من «الشجرة» رجل كتب يوماً معرفاً عن نفسه «أنا مش فلسطيني مش أردني مش كويتي مش لبناني مش مصري مش حدا .. إلخ، باختصار معيش هوية ولا ناوي إتجّنّس .. محسوبك إنسان عربي وبس».
كم تبدو كلماتك محقّة هذه الأيام وملايين الحناجر العربية تردد نشيد الحرية دون كلل او ملل أو نشاز. وحنظلة يتنقل في الشوارع العربية يهدي الهاتفين شقائق النعمان، فلا يمنعه حاجز ولا شريط شائك ولا يسأل عن هوية.
فقط في تلك اللحظة وأنا أسمع صدى صوت حبيبتي وهي تسألني من البعيد «شو يعني وطن؟» تمنيت يا ناجي لو أعطيت موهبتك ولو لبضع دقائق، لو واظبت على صف الرسم بدلاً من عيادة الأونروا، لرسمت على باب المدرسة «حنظلة» وخريطة فلسطين ووجه حبيبتي، لكن من دون حجاب، ووقّعتها بعبارة: الثورة تبدأ من هنا.

صبرا ــ علاء العلي