تجدّد السّجال الأميركي التركي أمس في شأن «المنطقة الآمنة» بينما كانت «حركة أحرار الشام الإسلاميّة» تدّقُّ إسفيناً بينها وبين «جبهة النصرة» وتمهّد لاستغلال فوضى الشمال لتكريس نفوذها. وكرّرت وزارة الخارجيّة الأميركيّة تأكيدها أنّ الاتفاقيات بين الولايات المتحدة وتركيا تنص على «استخدام قاعدة أنجرليك، لكنها لا تمس مسألة إنشاء منطقة عازلة في سوريا».


موقف جاء بعد ساعات من تأكيد وكيل وزارة الخارجية التركي فريدون سينيرلي أوغلو وجود اتفاق بين الطّرفين حول إنشاء «المنطقة» بغطاء جوّي أميركي. ويفتح التّناقض المستمر بين تصريحات الطرفين أسئلة كثيرة حول مدى جديّة مشروع «المنطقة الآمنة» وإمكانيّة تطبيقه على الأرض، أو كونه مجرّد ورقة يحاول حزب العدالة والتنمية لعبها على طاولة انتخابات مبكرة. ووسط اختلاط الأوراق تزايدت المؤشرات على مساعٍ تبذلها «حركة أحرار الشام» لاستغلال غياب «النصرة» عن الأجواء، و«التمدّد» في ريف حلب الشمالي. «الحركة» كانت قد أعلنت موقفها من «المنطقة الآمنة» عبر بيان يفتح الباب أمام فرز جديد للمجموعات المسلّحة في سوريا، ويضع «أحرار الشام» و«النصرة» على طرفَي نقيض بصورة معلنة. أوّل ما ينبغي التوقف عنده في هذا السياق هو تأخير صدور البيان إلى ما بعد انسحاب «النصرة» من أبرز نقاط تمركزها في ريف حلب الشمالي، وإعلانها ذلك في بيان اشتمل على تحريم «شرعي» للانخراط في المشروع التركي. ويرى مصدر «جهاديّ» مطّلع على كواليس المجموعات في الشمال أنّ «بيان أحرار الشام يُمهّد لخديعة تتعرّض لها جبهة النصرة». المصدر الذي واكب محادثات «النصرة» مع باقي مجموعات ريف حلب الشّمالي (راجع «الأخبار»، العدد 2658) أكّد لـ«الأخبار» أنّ «النصرة تلقّت وعوداً بعدم استغلال أحرار الشام مشروعَ المنطقة الآمنة لتنمية نفوذها». ووفقاً للمصدر، فإنّ «الإخوة في جبهة النصرة تحفّظوا حينَها على الانسحاب لمصلحة الأحرار. وكان الحلّ في الاتفاق على قيام مجموعات محليّة بملء الفراغ». وأكّد أنّ «المعطيات في الشمال تخالف ما تمّ الاتفاق عليه. من المُرجّح أن التطمينات التي تلقّتها النصرة لم تعُد سارية المفعول، ونتوقّع أن يبدأ الأحرار قريباً بتوطيد نفوذهم والتحوّل إلى المهيمن الفعلي على الأرض هناك». وفي حال صحّت هذه التّوقعات، فالبديهي أنّ الأصابع التركيّة حاضرة في رسم خطوط «الخديعة» التي تبدو أكبر من قدرة «أحرار الشام» على الإقدام عليها منفردة، كذلك فإنّ دور مجموعات «الجبهة الشاميّة» يبدو مكمّلاً لا يمكن الاستغناء عنه.
ولم يكن مستغرباً أن يحضر «التغزّل» بالأتراك في بيان «أحرار الشام» الذي أكّد أنّ «مشروع المنطقة الآمنة حاجة ماسّة لحماية أمن تركيا القومي، وقطع الطريق أمام المشاريع الإرهابيّة والانفصالية لتنظيم الدولة، وحزب العمّال الكردستاني»، ليتقاطع بذلك موقف «الأحرار» مع موقف «النصرة» في شأن الإشادة بتركيا وموقفها من الأكراد، رغم الاختلاف «الشرعي» بين الطرفين. أيضاً، تجدر الإشارة إلى أن بيان «الأحرار» اشتمل على رسالة بين السطور للداعم السعودي، عبر تبنّي خطاب «الاصطفاف السنّي في وجه المشروع الصفوي»، وهو خطابٌ سعوديّ لا يتبنّاه الأتراك.
وبغض النظر عن مآل مشروع «المنطقة الآمنة»، وسواء وجد طريقه إلى التطبيق أو لا، فإنّ النتيجة المؤكدة حتى الآن أن «النصرة» خسرَت مناطق نفوذ حيويّة، وأنّ «أحرار الشام» تبدو الأوفر حظّاً في استغلال هذه الخسارة. كذلك، تجدر الإشارة إلى أن بيان «أحرار الشام» يندرج في إطار مساعي «جناحها السياسي» المستمرّة ليثبت للقوى الغربيّة أنّها تحمل مشروعاً مخالفاً لمشروع «تنظيم القاعدة». وبالفعل، فقد انطلقت بعد صدور البيان حملة «تلميع» جديدة لـ«الحركة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تأخذ على عاتقها الإشادة بـ«الوعي السياسي للحركة»، وبتبنيها شعار «ثورة شعب» قولاً وعملاً، فيما تعالت مقابلَ ذلك أصواتٌ تكيل لـ«أحرار الشام» تُهماً كثيرةً من قبيل «الردّة»، و«الانخراط في تحالف صليبي»، و«تقديم أوراق اعتمادها وكيلاً رسميّاً لتركيا العلمانية وحلف الناتو». ومن شأن هذه التطوّرات أن تُمهّد لوضع «الأحرار» خارج إطار «الفصائل الجهاديّة» بعدَ أن استمرّت محسوبةً عليها لفترة طويلة بفضل «البيعة السريّة» التي كانت في عنق مؤسّسها حسّان عبّود (أبو عبدالله الحموي) لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري. كذلك، فإنّ موقف «أحرار الشام» كفيلٌ بتقديم مسوّغ «شرعي» يُمكن للجناح «الخراساني» داخل «النصرة» الإفادةُ منه في مهاجمة «الحركة» حالَما تقتضي الظروف ذلك. فرغم أن التسابق القديم على النفوذ بين الطرفين يبدو سبباً كافياً لشنّ المعارك، غيرَ أنّ مهاجمة أي فصيلٍ داخل الساحة تحتاج في عُرف المجموعات «الجهاديّة» إلى ذريعة «شرعيّة». وهو ما أثبتته تجارب كثيرة سابقة.