شُغلت الأوساط السورية والأجنبية بمتابعة العاصفة التي أثارها نبأ إعلان المحامي العام (بمثابة المدعي العام) لمحافظة حماه، القاضي عدنان محمد البكور، أول من أمس، استقالته من منصبه احتجاجاً على «حملة القمع وممارسات النظام الوحشية بحق المتظاهرين السلميين» على حد تعبيره، وهو ما واجهه النظام بحملة مضادة، أكّد فيها أنّ الرجل مخطوف من «عصابات مسلحة» وأدلى بكلامه تحت الضغط والتهديد. وإذا صحّ نبأ استقالة الرجل، يكون البكور أرفع مسؤول يستقيل من مؤسسات النظام السوري الحاكم منذ بدء حركة التظاهرات الشعبية في منتصف آذار الماضي، بعدما أكّد محامٍ مستقل لوكالة «رويترز» أنّ الشخص الذي ظهر في التسجيل هو البكور حقاً.

وأكد البكور، في تسجيل مصوَّر بُث على موقع «يوتيوب» على الإنترنت، يوم الأربعاء، أنه استقال من منصبه «احتجاجاً على حملة القمع». وقال القاضي، في تسجيل مصوَّر بثّه نشطاء معارضون على مرحلتين، «أنا القاضي عدنان محمد البكور المحامي العام سابقاً لمحافظة حماه، أصرح لكم بأنني استقلت من منصبي احتجاجاً على ممارسات النظام الوحشية بحق المتظاهرين السلميين». وتابع «إن ما يبثه التلفزيون السوري عن أن جماعات مسلحة اختطفتني عارٍ من الصحة. أنا بحماية الأهالي من الثوار حالياً، وأنا بصحة جيدة في هذا اليوم الأربعاء 31 آب، وقد حاول الشبيحة اختطافي اليوم من حي الحميدية بحماه، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وسأدلي بتصريحات على الهواء مباشرة فور خروجي من سوريا قريباً».
وفي تسجيل مصوَّر آخر بُث في وقت سابق من اليوم نفسه، أشار البكور إلى أنه استقال لأن قوات الأمن قتلت 72 سجيناً من المحتجين والنشطاء في سجن حماه المركزي عشية هجوم عسكري على المدينة في 31 تموز الماضي، وقال القاضي إنه أدى إلى مقتل 420 شخصاً آخرين على الأقل «كثيرون منهم دفنوا في مقابر جماعية في حدائق عامة». وفيما أضاف البكور إن السجناء الـ 72 دُفنوا في قرية الخالدية في ريف حماه قرب فرع للاستخبارات العسكرية، لفت إلى أن السلطات حاولت أن تمارس ضغوطاً عليه لكتابة تقرير يفيد بأن الأشخاص الـ 420 الذين سقطوا خلال اقتحام المدينة «قتلتهم مجموعات مسلحة». واختصر أسباب استقالته بقتل السجناء الـ 72، إضافة إلى «قتل 420 شخصاً على يد رجال الأمن والشبيحة، والاعتقال العشوائي الذي طاول نحو عشرة آلاف شخص»، على حد تعبيره.
حتى إنّ البكور جزم بأن وزير الداخلية محمد الشعار أشرف بنفسه على الهجوم على حماه الذي استمر نحو 10 أيام. وذكر البكور، الذي ظهر مرتدياً بزّة رمادية وهو جالس إلى طاولة وأمامه جهاز كمبيوتر محمول، أسماء 13 عضواً في الاستخبارات العسكرية والشرطة السرية في محافظة حماه قال إنهم «ارتكبوا مجازر ضد الإنسانية بحق المدنيين العزل». وتابع قائلاً إنّ «هذه حقيقة ما جرى ويجري في حماه»، مختتماً بيانه بالآية القرآنية «ولا تحسبنّ الله غافلاً عما يعمل الظالمون».
وعلى الفور، نقلت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» عن محافظ حماه، أنس الناعم، تأكيده أنّ «المحامي العام بكور أجبره خاطفوه على تقديم معلومات كاذبة لطالما سعت القنوات الفضائية إلى ترويجها عن تصفية مواطنين في حماه ضمن أهداف الحملة الإعلامية ضد سوريا»، كما نقلت الوكالة نفسها عن مسؤول آخر أن هذه الاعترافات «انتُزعت منه تحت تهديد وقوة السلاح»، مشيراً إلى أنها «محض افتراءات فبركتها المجموعات الإرهابية المسلحة التي نفذت عملية الاختطاف». وكانت الوكالة قد أفادت، يوم الاثنين، أن «مجموعة مسلحة قامت صباحاً باختطاف القاضي عدنان بكور أثناء توجهه إلى عمله في قصر العدل في حماه مع سائقه بهاء اليوسف ومرافقه محمد صدراوي على طريق زراعي».
وشرحت «سانا» في حينها أنّ سبعة رجال مسلحين في شاحنة صغيرة مكشوفة من نوع «تويوتا» اعترضوا سيارة البكور وخطفوه مع سائقه وحرسه الشخصي أثناء مروره في قرية كرناز.
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)