اختارت منظمة العفو الدولية توقيتاً حساساً جداً لإصدار تقريرها الذي يحمل عنوان «الاعتقال المميت: الوفيات في الحجز في خضم الاحتجاجات الشعبية في سوريا». فبعد أسبوع على تبني مجلس حقوق الإنسان في جنيف، التابع للأمم المتحدة، تأليف لجنة دولية مستقلة «للتحقيق في مزاعم انتهاكات مستمرة وخطيرة ومنظمة من السلطات السورية لحقوق الإنسان، منها الإعدام التعسفي والاستخدام المفرط للقوة وقتل واضطهاد المحتجين والمدافعين عن حقوق الإنسان»، يأتي هذا التقرير ليوثق بالأسماء «أن ما لا يقل عن 88 شخصاً قضوا نحبهم في الحجز في سوريا، خلال حملة قمع دموية ضد المحتجين دامت خمسة أشهر».

وترث هذه اللجنة المستقلة، التي عارضتها روسيا والصين، بعثة تقصي حقائق ألّفها المجلس من موظفي المفوضية السامية لحقوق الإنسان قبل شهرين، ولم تفلح هذه البعثة في الحصول على إذن لدخول الأراضي السورية، فيما يُتوقع أن تقدم لجنة التحقيق المستقلة، التي تتمتع بولاية قانونية أوسع، تقريراً مفصلاً في تشرين الثاني المقبل، بمعزل عن سماح السلطات السورية لها بالدخول الى أراضيها، وسوف يستند هذا التقرير الى شهادات معارضين في الخارج، وتقارير تصدرها منظمات حقوق الإنسان، بينها التقرير المهم الذي أصدرته منظمة العفو الدولية قبل أربعة أيام.
ويوثق هذا التقرير حالات الوفاة في الحجز، التي وقعت في الفترة بين نيسان وآب، في أعقاب حملة الاعتقالات في سوريا. وتقول المنظمة إن «عدد الوفيات في السجون السورية سجل ارتفاعاً كبيراً عام 2011، مقارنةً بالسنوات الأخيرة، التي سجلت فيها منظمة العفو الدولية ما معدله نحو خمس حالات وفاة في الحجز في كل عام».
وقال نيل ساموندز، الباحث في شؤون سوريا في منظمة العفو الدولية، في اتصال مع «الأخبار»، «إن هذه الوفيات التي تقع خلف القضبان بلغت نسباً هائلة، ويبدو أنها تمثل امتداداً لنفس الازدراء الوحشي للحياة البشرية الذي نشهده يومياً في شوارع سوريا». وأضاف «إن أنباء التعذيب التي تلقيناها مثيرة للرعب. ونعتقد أن الحكومة السورية تعمد إلى اضطهاد شعبها على نحو منهجي وعلى نطاق هائل، وطالما أن السلطات السورية تعتمد سياسة القتل الممنهج والمتعمد، فإنها تضع نفسها في خيارات صدام لا عودة عنه مع شعبها». وأعلن ساموندز أنه لا علم لمنظمة العفو الدولية بإجراء أي تحقيقات مستقلة في أسباب الوفاة في أي من الحالات المذكورة في التقرير، مجدّداً مطالبته السلطات السورية بسماح دخول الصحافيين وناشطي حقوق الإنسان الى مناطق النزاع، مشدداً على أن التقرير كان «يمكن أن يكون أكثر قدرة على الرصد فيما لو سُمح لخبراء منظمة العفو الدولية بمقابلة ذوي الضحايا على نحو مباشر». تقرير المنظمة، الذي يقع في ٤٢ صفحة، يشير الى أن «جميع الضحايا المسجلين في التقرير قد قُبض عليهم عقب خروج السوريين إلى الشوارع في تظاهرات جماهيرية منذ آذار» من هذا العام، كما «أنهم جميعاً من الذكور، وبينهم عشرة أطفال يبلغ بعضهم الثالثة عشرة من العمر». وأضاف «يُعتقد أن الضحايا اعتقلوا بسبب ضلوعهم في الاحتجاجات أو الاشتباه في مشاركتهم فيها». وتابع التقرير أن المنظمة اطّلعت على صور فيديو «لخمس وأربعين حالة منها ـــــ التقطها أقرباء أو نشطاء أو أفراد آخرون ـــــ وطلبت من اختصاصيين في الطب الشرعي من الخبراء المستقلين مراجعة عدد من تلك الحالات». وأوضح «تُبيّن الإصابات الظاهرة على جثث العديد من الضحايا أنهم ربما تعرضوا للضرب المبرح أو غيره من ضروب إساءة المعاملة. ومن بين العلامات التي تدل على تعرضهم للتعذيب: الحروق والإصابات بأدوات غير حادة، وآثار الجَلد والشروخ». وقال «حدثت معظم الحالات الواردة في التقرير في محافظتي درعا وحمص، اللتين شهدتا احتجاجات كبرى، كما وردت أنباء عن وقوع وفيات في الحجز في خمس محافظات أخرى، هي دمشق وريف دمشق وإدلب وحماه وحلب».
من جانب آخر، دعت منظمة العفو الدولية مجلس الأمن الدولي الى «إحالة الأوضاع في سوريا على المحكمة الجنائية الدولية، وفرض حظر للأسلحة على سوريا، وتنفيذ قرار تجميد الأصول التي يملكها الرئيس بشار الأسد وكبار مساعديه». وقال نيل ساموندز «إذا نظرنا إلى الوفيات في الحجز في سياق الانتهاكات المنهجية والواسعة النطاق التي تُرتكب في سوريا، فإننا نعتقد أن هذه الوفيات ربما تشمل جرائم ضد الإنسانية». ومضى يقول «إن رد مجلس الأمن كان غير كاف بالمرة حتى الآن، لكن الأوان لم يفتْ بعد لكي يتخذ المجلس إجراءً صارماً وملزماً من الناحية القانونية».