باريس | في الوقت الذي كان فيه «مؤتمر أصدقاء ليبيا» ملتئماً، مساء أمس، في قصر الإليزيه في باريس، كانت سلسلة من الاجتماعات والمساعي الموازية قائمة على قدم وساق، في كواليس مقر الغرفة التجارية الفرنسية ـــــ الليبية، في الضاحية الغربية للعاصمة الفرنسية. قد يبدو الحدثان بلا رابط مباشر في الظاهر، لكن تزامنهما يلخّص بامتياز ازدواجية الخطاب الغربي المؤيد لثوار ليبيا، بين ظاهره المُعلن المتعلق بدعم الحرية والتحوّل الديموقراطي، وما إلى ذلك من دوافع إنسانية وأخلاقية نبيلة، وبين ما يتفاعل في الكواليس من مساع ومخططات خفية، أقل نبلاً، وصراع لوبيات تحرّكها المصالح التجارية، فيما تتعرض ليبيا لـ «عدوان ثلاثي» من الشركات البريطانية والفرنسية والإيطالية.


أما الاجتماع الذي عكفت الغرفة التجارية الفرنسية ـــــ الليبية على عقده، بعيداً عن الأضواء، فقد جمع زعماء المجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي يمثل الثوار، بممثلي 20 مؤسسة من كبريات الشركات التجارية والاقتصادية الفرنسية. وجاءت هذه المبادرة من قبل زعماء المجلس الانتقالي المشاركين في مؤتمر الإليزيه، حرصاً منهم على الوفاء بما تعهدوا به في ما يتعلق بـ «مكافأة» الشركات الفرنسية.
اللوبي الاقتصادي الفرنسي تحرك منذ الأيام الأولى لحملة الأطلسي، لتأمين مصالح الشركات الفرنسية من خلال مركز التخطيط وإدارة العمليات، التابع لقيادة أركان الجيوش الفرنسية. وكان هذا المركز قد تأسس في مطلع التسعينات، وصُمّم ليكون نسخة فرنسية من «دائرة التعاون العسكري ـــــ المدني» الأميركية التابعة لوزارة الدفاع (البنتاغون).
لولوج المناطق المنكوبة، جرت الاستعانة بـ «ذراع مدنية» في صيغة منظمة حكومية أُطلق عليها اسم Environmental Emergency & Security Services، ويرأس مجلس إدارتها فرانك غالان، الذي كان أحد أنشط مستشاري «مركز التخطيط وإدارة العمليات»، خلال حروب البلقان.
منظمة فرانك غالان، استُعملت منذ البداية غطاءً «غير حكومي» لنشاطات اللوبي الاقتصادي الفرنسي في معقل الثوار الليبيين في بنغازي. ففي 13 نيسان الماضي، أي بعد 3 أسابيع فقط من بدء حملة الأطلسي في ليبيا، حطت في بنغازي طائرة إنسانية فرنسية، حاملة 9 أطنان من المؤن والأدوية، لكن ركاب تلك الطائرة لم يكونوا جميعاً من نشطاء الغوث الإنساني، بل كان بينهم مندوبون عن أربع شركات فرنسية كبرى في مجالات النفط والبناء والإلكترونيات والاتصالات (Tolal, vinci, Eads, sofrecom). وقد سافر هؤلاء المندوبون إلى بنغازي بموافقة الإليزيه. وبعدما قضوا 3 أيام في ضيافة ثوار بنغازي، غادروا عن طريق البر إلى مصر، بترتيب من وزارة الخارجية الفرنسية.
لم يمض أسبوعان حتى بادرت شركات فرنسية أخرى، لم يُسمح لمندوبيها بمرافقة ذلك الوفد التجاري الأولى، بترتيب رحلة ثانية إلى بنغازي، تحت إشراف الغرفة التجارية الفرنسية ـــــ الليبية. وحسب رئيس هذه الغرفة، ميشال كاسال، الذي شارك في تلك الرحلة، فقد «كانت النتائج مشجّعة جداً».
لكن ذلك لم يمنع كاسال من الاعتراف بأن «المنافسة قوية ومحتدمة، بالرغم من الموقف الإيجابي تجاه فرنسا بحكم مواقفها الطليعية في دعم الثوار».
لم تقتصر تلك المنافسة في الاتفاق الضمني الفرنسي ـــــ البريطاني على تقاسم صفقات إعادة البناء في ليبيا، بحكم كونهما الدولتين الأكثر إسهاماً في حملة الأطلسي الداعمة لـ «الثوار»، بل واجه المحور البريطاني ـــــ الفرنسي حملة شرسة من جانب الشركات الإيطالية التي تُعد الأكثر حضوراً في السوق الليبية قبل الثورة، حيث تحتل إيطاليا المنزلة الأولى في التبادلات التجارية مع ليبيا (قرابة 3,4 مليارات دولار من الصادرات سنوياً)، بينما تحتل فرنسا المنزلة السادسة (أقل من مليار دولار). وازدادت المنافسة ضراوة في المجال النفطي، حيث تدير شركة Eni الإيطالية 38 في المئة من الإنتاج النفطي الليبي، بينما لا تتعدى حصة نظيرتها الفرنسية Total 9 في المئة.
وحيال المعلومات التي تسرّبت في بداية نيسان الماضي، بخصوص اتفاقيات سرية أُبرمت مع «ثوار بنغازي» لمنح فرنسا امتياز استثمار 35 في المئة من الصادرات النفطية الليبية، بادرت الشركة النفطية الإيطالية إلى الردّ بطريقة غير متوقعة، عدّتها فرنسا وبريطانيا نوعاً من «الضرب تحت الحزام».
في مطلع شهر أيار، وصل رئيس Eni، باولو سكاروني، إلى بنغازي للتباحث مع الثوار الليبيين، عارضاً عليهم صفقة بالغة السرية. وكان رد فعل الثوار «مشجعاً جداً»، ما أغرى شركة النفط الإسبانية Repsol، التي تبلغ حصتها من الإنتاج النفطي الليبي 8 في المئة، بالقيام بخطوة مماثلة، بعد أقل من أسبوع واحد.
وفي منتصف أيار الماضي، بدأت التقارير الاستخبارية الفرنسية تحذّر من مساع مريبة تبذلها شركتا النفط الإيطالية والإسبانية في مجال إمداد الثوار بـ «مساعدات تقنية سرية»، أي تمويل صفقات سرية لإمدادهم بأسلحة مصدرها السوق السوداء غير الحكومية.
لم تمض أيام قليلة حتى حلّ في بنغازي مبعوث نفطي آخر هو توني بوكينغام، مدير شركة Heritage Oil Corporation المتخصصة في صيانة واستثمار المنشآت النفطية في مناطق النزاعات. الأمر الذي أثار حفيظة شركة Total، وخاصة أن الشركة التي يديرها بوكينغام سبق أن اتهمت في فضائح فساد في كردستان العراق، بعد الاحتلال الأميركي.
حيال تشكّي Total من هذه المنافسة غير المتكافئة، ومطالبتها السلطات الفرنسية بإطلاق يدها للعمل بالمثل، تدخلت الحكومتان الفرنسية والبريطانية على نحو صارم لإلزام شركاتها النفطية بالامتناع عن عقد صفقات مماثلة مع الثوار الليبيين، خشية أن يدفع ذلك بالشركات الصينية، التي تبلغ حصة اسثثماراتها 8,5 في المئة من الصادرات النفطية الليبية، إلى العمل بالمثل.
لتفادي تورط شركات أخرى في مبادرات مريبة، اتفقت السلطات الفرنسية والبريطانية على إخضاع مساعي شركات البلدين لوصاية حكومية صارمة. أما في الجانب الفرنسي، فقد عُيّن الدبلوماسي أنطوان سيفان، مستشاراً مكلفاً بـ «شؤون إعادة البناء» لدى السفارة الفرنسية، التي نُقلت إلى بنغازي.