ساعةُ يدي الورديّة، قطع الصلصال الملوّن، هدايا أعياد ميلادي الثمانية، زجاجات العطور الفارغة التي كنت أجمعها تحت السرير للّعِب مع ابنة الجيران، رائحةُ أكواب الكاكاو الساخنة الليلية، نافذةُ البيت الخشبية الزرقاء التي أكلها السّوس والمطر، بلاطات بيتنا الضيّق الذي كان يشبه علبة كبريت، جميعها صارت صوراً باهتة من طفولة ضاعت في حقائب السفر وصناديق الكرتون المليئة بالكتب والإطارات الزجاجية والمرايا، كتبَ أبي على بعضها (قابل للكسر).

كان وطناً مزيفاً حفظتُ رسم خريطته وعَلمَه ونشيده الوطني، وكان قابلاً للكسر أيضاً، لكنه رمى عائلتي كأي أسرة فلسطينية على الحدود. و«مصراتة» تلك التي سمعتم اسمها كثيراً بأحداث ليبيا قبل سقوط القذافي، مصراتة تلك خدعتني، لم تكن مسقط رأسي الحقيقي الذي اعتقدته بما أنني وُلدتُ فيها. كانت لي دماء ولهجة أخرى، لم انتبه إليها إلا في ذلك اليوم، عندما طاردَ الغُرباءُ باب بيتنا بعصيّهم وهراواتهم صائحين بنا: لم يعد بيتكم، عودوا إلى غزة، صار لديكم دولة الآن!
القرار التعسفي الذي أصدره القذافي مطلع التسعينيات بحق الفلسطينيين، والذي يقضي بطردهم ورميهم على الحدود المصرية الليبية، بحجة عودة السلطة الوطنية إلى قطاع غزة، لم يكن جديداً على الفلسطينيين فى ذلك الوقت، وفي كل وقت. وحده الفلسطيني يقعُ ضحية شتاته ويعود إلى نكبته الأولى. كأنه حنين إجباري يعود به إلى ذاكرة اللجوء والوطن المسلوب لترافقه كلعنة موشومة في جينات كل الأجيال التى تناسلت من بعده، في المخيمات وفي الشتات. ففلسطين الضائعة لم تعد وطناً فقط، صارت سُلالة.
وإذا كانت أرض الوطن، التي تبقّت وحُشرنا فيها في غزة والضفّة وقطعة من القدس، لا تحمينا من حصاد الموت والهدم والاعتقال والمنفى.. والمفاوضات، فكيف يمكنُ دولاً وقارات أخرى أن تبتسم فى وجهنا إلى الأبد؟
لكننا على ما يبدو، لن نكون الشعب العربي الوحيد الذي هُجّر من وطنه، فالشعوب العربية الثائرة صارت أيضاً شعوباً لاجئة، تلك المفارقة التى تجعلنا متعاطفين إلى حدّ التوحُدّ مع كل شعب فقد شهداءه وطعامه وجدران بيوته.
يجلسُ أبي ليشاهد نشرة الأخبار اليومية عن ليبيا، من دون أن يجرؤ أحدنا على أن ينبِس ببنت شفة، ومن دون أن يمنع نفسه من التعليق بتأثر: «انظروا، انظروا، هذا شارع البريد، وهذه الكليّة الحربية، يا الله كيف صارت شوارع مصراتة! ماذا فعلوا بالمشفى! هناك تماماً كان بيتنا، من يدري، ربما احترق فى القصف أيضاً». أحياناًً كان يظل وجهه مشدوهاً، تقرأُ عيناه الأخبار العاجلة بصمت، أما أنا فأختبئ فى حنيني المكتوم الذي كان ينفجر فجأة فيّ، وأراني طفلة هناك، فأصلّي بصمت لمصراتة، لطفولتي التي لا تكبر، لمدينتي التي لا تحترق، ذكرى غير قابلة للكسر.