في الماضي، مع اقتراب العيد، كنتُ أتوق للذهاب إلى مخيم القاسمية، مخيم طفولتي. كان «أبو الروس»، وهو اللحام الوحيد، الذي لا يزال كذلك في المخيم، ووالده يستيقظان قبل صلاة العيد لذبح الخراف. فالجميع كانوا يقصدونهم بعد الصلاة لشراء «لحمة العيد»، وخصوصاً أن «الكبدة المقلية» (السودا باللهجة اللبنانية) كانت الفطور الأشهى والأشهر بعد صيام 30 يوماً في رمضان. كان إمام جامع القاسمية يتهيّأ لزيارة المقبرة التي احتضنت الشهداء والموتى، فترى رجال المخيم كلهم مجتمعين لصلاة العيد في المسجد، ثم مجتمعين كلهم بعدها عند «أبو الروس». أما الأولاد الذين لا يسكنون المخيم، وأنا منهم، فكانوا يحبون الذهاب إليه أوّل أيام العيد للعب مع أترابهم في الشارع، وزيارة كافة الأقارب، لا بدافع الواجب، بل لجمع العيدية التي لم تتجاوز يوماً 10 آلاف ليرة. كنتُ أرى العيدية «قد الدنيا»، لأنها كانت تكفيني لكافة «نشاطات» العيد: للسحبة، وهي نوع من يانصيب الصغار، والبوظة والمراجيح. كانت العيدية يومها تكفي لكل ما قد اشتهيه.

لم أتخيّل أنني سأعود هذا العيد إلى المخيم فلا أرى أحداً، ولا حتى طفلاً واحداً يلعب على الطريق. سرت بتأنٍّ من أوّل المخيم حتى بيت جدتي الواقع في آخره، لم أر أحداً على الإطلاق. أين الجميع؟ سألت خالي عن بناته، أخبرني أنهن في مدينة الملاهي في صور. قلتُ في نفسي: من المنطق أن يبحث هؤلاء عن العيد خارج المخيم ما دام لم يأتهم! لِمَ لمْ تهبط بهجة العيد على المخيم؟ انتظرت كثيراً لعلّني أرى طفلاً يحمل مسدس الخرز كما كنّا نفعل في الماضي، أيّ طفل يحمل عيدية يتباهى بها، أيّ طفل يلبس ثياباً جديدة، لكني لم أرَ أحداً، ما خلا بعض كبار السن الوافدين إلى بيت ستي أم ناصر ليقوموا بواجب التهاني بحلول عيد بالكاد يشعر أيّ منهم به. أصبح العيد مجرد «واجب» لا أكثر ولا أقل. مناسبة للعتب، لأن أحداً لم يكن يزور أحداً خلال شهر رمضان.
بقيت جالسة بين النسوة والرجال وهم يتعاتبون ويبرر بعضهم لبعض، حتى جاء صبيٌّ من بعيد يبدو أنه سئم توبيخ أمه التي كانت لا تزال توبّخه حين دخلت علينا، سألتها «شو القصة»؟ قالت «بحي الغوارنة (أي الحي التحتاني الذي كان محرّماً علينا اللعب فيه) عم يأجّروا موتسيكلات للولاد بلا فريمات!». كان معروفاً لكل أولاد المخيم أنه ممنوع عليهم الذهاب إلى الحي الآخر. فالحي الفوقاني لم يقبل الجنسية اللبنانية حين عرضت عليهم من إحدى الجهات السياسية، عكس الحي التحتاني الذي «قايض الجنسية بانتماء حزبي». علّقت بقولي «على الأقل أحدهم يفعل شيئاً يتجاوز الجلوس و«الصفن» في وجوه الآخرين». لم يعجب جوابي أحداً! أردت الذهاب إلى حي الغوارنة، لكن كيف لي ذلك، وأنا لا أعرف أحداً في هذا الشق من المخيم؟ شقّ كان محظوراً علينا الذهاب إليه عندما كنا صغاراً، فكنّا نتسلل خلسة إلى دكانه «الفخم» المليء بما لذّ وطاب، الدكان الذي تجد عنده ما لا يمكن ومن المستحيل أن تجده في دكان الشق الأعلى حيث يسكن أهلي. لم أستطع الذهاب كي لا يوبّخني أحد. عقدة نفسية اكتشفت أنني لا أزال أحملها من الماضي!
قضيت نهاري كاملاً وأنا أتنقّل من بيتٍ إلى بيت. قهوة هنا وكوب من الشاي هناك. كان شعوراً لطيفاً يكفيني ويغنيني عن ألف عيدية. فكلما قررت الخروج من بيت وزيارة آخر، يقف صاحب البيت قائلاً «خليكي، بنتوّنس فيكي!». أمر بين البيوت، أسترجع ذكريات طفولتي، أشتهي أن أرى طفلة تشبهني تدخل الدكان وتسأل عن الطبشور، لتعود إلى الشارع وترسم على الأرض لعبة تشارك فيها أطفالاً حتى وإن كانت لا تعرفهم. أبحث وأبحث ولا أجد أحداً. هذا العام قرر العيد ألا يزور مخيم القاسمية.