وجه ليبي جديد، غير الوجوه التي تعاقبت على حكم ليبيا طيلة 42 عاماً، يتحدث بلهجة مختلفة، وخطاب مغاير لذلك الذي عُرف عن رجالات حكم العقيد. أكثر ما طبع شخصية القاضي مصطفى عبد الجليل هو الهدوء واللهجة التصالحية. رجل أشاع قدراً كبيراً من الطمأنينة في الأسابيع الأولى لاشتعال الانتفاضة الشعبية ضد حكم العقيد معمر القذافي، الذي وصف الثائرين عليه بـ «متعاطي عقاقير الهلوسة». عبد الجليل عكس الآية، وكان يبدو على الدوام كمن تعاطى عقّار الصبر، حيث وجد نفسه في مكان لا يحسد عليه، في مواجهة غير متكافئة مع القذافي، الذي تمرس في فنون الخداع والمناورة واللعب على كافة الحبال من أجل إدامة حكمه.

في الربع الأول من الشوط بدت المواجهة خاسرة بين المعسكرين، وكانت كفتها تميل لمصلحة العقيد، الذي استعاد المبادرة العسكرية، بعدما خسر عاصمة الشرق بنغازي، وتمكنت كتائب القذافي بعد شهر من اندلاع الانتفاضة من السيطرة على كافة المناطق التي خسرتها، وكادت أن تدخل بنغازي في أواخر آذار لو لم يتدخل حلف الأطلسي، ويعكس اتجاه المعركة، التي انتقلت الى طور جديد، تحمّل فيه الليبيون القسط الأكبر من التضحيات، ولو لم تكن هناك إدارة ميدانية واعية لضخامة المهمة لكانت النتائج مختلفة تماماً. ويعود الفضل في الدرجة الأولى إلى شخصية عبد الجليل، الذي مثّل ضمانة معنوية للانتفاضة، ومظلّة سياسية للثوار ضد حكم العقيد، لذا حاز إجماع كافة الأطراف منذ اليوم الأول.
لا يدين عبد الجليل بدوره القيادي لأحد، لا لطرف داخلي ولا خارجي، فهو أخذ قراره منذ الأسبوع الأول بالوقوف مع الانتفاضة، وهو بذلك سجل ضربة كبيرة للقذافي وفتح الباب أمام انشقاقات في نظامه من بين أعضاء الحكومة والسياسيين والعسكريين، ورصيد عبد الجليل الأساسي هو خلافه مع القذافي، حيث أُعفي من منصبه كوزير للعدل وعُيّن إبراهيم عبد السلام القذافي، وزير الأوقاف، خلفاً له. وأوعز القذافي الى أمين مؤتمر الشعب (البرلمان)، محمد الزوي، بالتحقيق مع عبد الجليل على خلفية تصريحاته في جلسات مؤتمر الشعب العام في نهاية شهر كانون الثاني سنة 2010 بمدينة سرت. وكان عبد الجليل قد طلب إعفاءه من منصبه كوزير للعدل أمام مؤتمر الشعب العام، وساق أسبابه «أمام هذه الصعاب والمعوقات لا يمكنني الاستمرار، لعدم قدرتي على تجاوزها وتذليلها». وخلال تعقيبه على بند المساءلة في جلسات المؤتمر، أبدى تعجبه من تجاهل المتسائلين لـ «نقاط جوهرية»، حسب وصفه، كان يفترض أن يسأل عنها، وحصرها في ثلاث نقاط: «عدم اجتماع اللجنة الشعبية العامة للعدل طيلة عامي 2008 – 2009، وعدم قدرة اللجنة الشعبية العامة للعدل على تنفيذ أحكام صدرت بالبراءة من أعلى المحاكم الليبية بحق 300 مواطن ليبي لا يزالون يقبعون في السجن، وصدور أحكام بالإعدام في جرائم قتل جرى الإفراج عن الجناة فيها من دون موافقة وليّ الدم».
مداخلة عبد الجليل اضطرت العقيد القذافي إلى التدخل في الجلسة التالية لمؤتمر الشعب العام ليرد على كلام وزير العدل المستشار عبد الجليل، ويصرح بأنه هو من عفا عن المحكومين بالإعدام في القضايا التي أشار اليها وزير العدل، وكان واضحاً أن القذافي لم يتقبل انتقادات الوزير عبد الجليل، لذا قرر إعفاءه من منصبه، رغم أن عبد الجليل هو من قدم استقالته، الأمر الذي عُدّ صفعة مباشرة للعقيد، الذي اعتاد هو أن يعفي ويعين المسؤولين، وكان يردد دائماً «الاستقالة مرفوضة في ليبيا»، وفي عرفه هي نوع من الخيانة التي يستحق مرتكبها الإعدام. بلع العقيد في حينه استقالة عبد الجليل لكون الرجل يتسم بالاستقامة ومعروف عنه، حين كان في سدة المسؤولية، انتقاداته للفساد المستشري في الأجهزة. وكان المسؤول الوحيد الذي انتقد علانية في نهاية سنة 2009 «تغول أجهزة الأمن». وعلى العموم فإنه لم يمكث في الحكم اكثر من ثلاث سنوات، حيث تسلم وزارة العدل في سنة 2007 واستقال في 2010، وقبل ذلك كان قد تدرج في سلك القضاء من قاضٍ الى مستشار ثم رئيس محكمة استئناف مدينة البيضاء، مسقط رأسه سنة 1952.
وشعر القذافي بحرج كبير لقيام عبد الجليل بتصدر واجهة الانتفاضة سياسياً، والعمل بعد ثلاثة اسابيع من اندلاعها على إنشاء إطار سياسي يقودها تمثل في المجلس الوطني الانتقالي، الذي ضم شخصيات من مختلف الأطياف القبلية والسياسية والمناطقية والكفاءات. والضربة الأكبر لحكم العقيد هي عمل عبد الجليل على استقطاب شخصيات اساسية من داخل النظام، من امثال وزير الداخلية عبد الفتاح يونس. ولكون القذافي لم يجد أسلحة مؤثرة يوجّهها إلى عبد الجليل، الذي عرف بالاستقلالية في الرأي والموقف، فقد عملت الآلة الرسمية على التشنيع بالوزير السابق، وسرت شائعات كثيرة عن انتماءات إسلامية إخوانية لمصطفى عبد الجليل، واستندت في معظمها إلى دفاعه عن أعضاء في «الجماعة المقاتلة»، وهي مجموعة كانت تنتمي إلى تنظيم القاعدة لكنها راجعت مواقفها، وأفرج عنها القذافي قبل فترة وجيزة من الانتفاضة. لكنّ عارفي القاضي عبد الجليل ينفون أي صلة له بالإخوان المسلمين، ويقولون لو أنه كان كذلك لقتله القذافي منذ زمن بعيد، لكن الرجل متدين، وهو لا يخفي ذلك، بل أصر على تقديم نفسه في صورة المسلم المثالي، حتى إنه قطع أحد اجتماعاته مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ليقوم بأداء الصلاة، ومن ثم عاد ليُكمل الاجتماع، وقد عبر ساركوزي عن إعجابه بهذا السلوك، كما أن وزير الخارجية التركي، أحمد داوود أوغلو، أبدى إعجابه بمثابرة عبد الجليل على أداء الفرائض. وقال في إحدى مقابلاته «ظنناه ضائعاً عندما استيقظنا صباحاً فلم نجده في غرفته في الفندق، وإذا به كان خارجاً لصلاة الفجر في مساجد تركيا». بدوره، قال رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، عنه إن عبد الجليل أول رئيس عربي يؤدي الصلاة في مسجد لندن.
منذ اليوم الأول لتوليه رئاسة المجلس الوطني الانتقالي، أظهر عبد الجليل مجموعة من المزايا في شخصيته، منها بالخصوص القدرة على التحمل والحنكة في إدارة المعركة. ورصيده الأساسي معرفة دقيقة بالواقع الليبي، عسكر وسياسة وقبائل وكفاءات، كما أنه أظهر فهماً للمواقف العربية والدولية، وتكشف حركته الدبلوماسية عن قدرة سياسية ومثابرة على متابعة الموقف، فهو لم يترك بلداً على صلة بالأزمة لم يزره، من بكين حتى واشنطن وموسكو وإسطنبول، إضافة إلى العواصم العربية المعنية. واستوعب عبد الجليل أن المعركة ضد القذافي لن تحسم داخل ليبيا، ومن دون الاستعانة بأطراف خارجية ستكون الغلبة فيها للعقيد القذافي، لذا اتجه قبل كل شيء للاستعانة بأطراف عربية واسلامية، مثل قطر والإمارات ومصر وتركيا، لكن الدائرة اتسعت بسرعة لتصبح معركة إسقاط العقيد في عهدة حلف الأطلسي.
الميزة الأساسية لعبد الجليل هي أن خلفيته القانونية ساعدته على إدارة الموقف بعقلانية، فهو أراد أن يضع الأمور في نصابها في كل مرحلة، وأن يخلص الثورة من الفوضى والتجاوزات، وكان لافتاً أنه وضع استقالته عشية معركة طرابلس أمام حصول تجاوزات قامت بها بعض الفئات الإسلامية، الأمر الذي انعكس في صورة إيجابية على استعادة الهدوء.
يمثّل وجود عبد الجليل استمرارية ونهاية لحقبة القذافي في الوقت ذاته، كما يمثل توق الليبيين إلى التغيير. وهو يستطيع أن يطمئن جيوب النظام القديم بالقدر الذي يعني للطامحين الى بناء دولة جديدة فرصة لا تعوض من رجل نزيه، بعيد عن الفساد والدم والتورط في النزاعات الداخلية، لكنه يواجه عدة تحديات حقيقية لكي يتجاوز الفترة الانتقالية. أول التحديات هو الضغوط الخارجية من أجل اقتسام الكعكة الليبية بين اطراف الحلف الأطلسي، ومهما أبدى من استقلالية فهو مكبل بجملة من الالتزامات، ويجب عليه تسديد فاتورة الحرب، الأمر الذي سيرهن اقتصاد ليبيا. وفي الجانب السياسي يبدو هامش المناورة أمامه ضيقاً جداً، فالأطراف التي دعمت مشروع إسقاط القذافي ليست بلا مشروع سياسي يضع في حسابه موقع ليبيا وإمكاناتها. وثاني التحديات هو مسألة استعادة الأمن، وهي من شقين، حل الميليشيات التي أُنشئت، وجمع السلاح. وثالث التحديات هو المصالحة الداخلية، ويتوقف ذلك على الإخراج الذي ستسوّى من خلاله الجيوب الموالية للقذافي، وتحسم المعركة ضده على الصعيد الميداني.
قبل أن ينخرط عبد الجليل في سلك القضاء كان من لاعبي كرة القدم المعروفين على مستوى ليبيا، وهو هداف مشهور، ورغم الاهداف التي سجلها في الشباك فإن هدفه الذي يظل يحسب له هو الذي سجله ضد القذافي، وبالنظر الى تعقيدات الموقف الليبي فإن المنتظر منه اليوم أن يؤدي دور مايسترو المرحلة الانتقالية، وأن يقود الليبيين كفريق واحد، في عملية بناء دولة ليبيا الجديدة وفق مواصفات العصر، بعدما نفاها العقيد القذافي عن العالم طيلة أربعة عقود.




لا عقود استغلال للنفط

نفى رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي، مصطفى عبد الجليل، مجدداً أول من أمس وجود «اتفاقات أو عقود أو وعود مع شركات أو بلدان» تتعلق باستغلال النفط الليبي، إلّا أنه أكد أنه في حال ثبوت ذلك «سنعلن على الملأ أسماء الأشخاص وأفعالهم، وسيعاقبون أمام محكمة جنائية».
وفي تعليق على ما ذكرته صحيفة «ليبراسيون» الخميس الماضي عن اتفاق بين فرنسا والمجلس الانتقالي تأخذ بمقتضاه الشركات الفرنسية 35 في المئة من النفط الليبي، قال خلال مؤتمر صحافي في بنغازي «لو كان لدى أي وسيلة إعلام ما يفيد بذلك فعليها إطلاعنا عليه»، مشيراً إلى أنّ «ثمة حديثاً عن فساد في مؤسسات وطنية، وهي أفعال مرفوضة رفضاً باتاً، إذ تأتي بينما نخوض حرباً».
(أ ف ب)