يأتي إعلان حكومة نوري المالكي، يوم الاثنين 29 آب الماضي، عن المصادقة على مشروع قانون النفط والغاز «العالِق» منذ عام 2007، وإحالته إلى مجلس النواب لتشريعه والمصادقة عليه دستورياً، كمحاولة جديدة لحسم الجدل الدائر في هذا الشأن منذ فترة. اللافت أنّ الحكومة لم تكتفِ بالمصادقة على مشروع القانون المذكور، بل أرادت له أن يكون بمثابة عصا موسى التي تُلقى لتلتهم الأفاعي الأخرى، حين قرّرت اعتبار أنّ جميع مشاريع القوانين النفطية الأخرى مُلغاة وغير ذات صلة، وطالبت بسحبها من التداول.


ليس من الواضح بعد إنْ كان المشروع الحكومي جديداً كلياً أم أنه يستلهم النسخة القديمة لمشروع قانون 2007؛ لكنّ الأكيد هو أنّ الفرق بين القانونين لن يكون كبيراً ونوعياً، بما أنّ ما سُرِّب عنه يفيد بأنه ينظم قطاع المحروقات ويوزع مسؤوليات الإنتاج بين بغداد والمحافظات.
إنّ السرعة التي تمت بها المصادقة الحكومية، بعد صمت وتجميد طويل للمشروع، توحي بأنّ الحكومة، أو تحديداً الركن المتنفذ فيها وهو «التحالف الوطني»، أدركت أخيراً خطورة التطورات التي استجدت في هذا الملف، والتي تمخّضت عنها ولادة تحالف سياسي جديد ذي هدف استراتيجي كبير. فقد استؤنفت قبل أسبوعين تقريباً واحدة من أخطر المعارك «السياسية الاقتصادية» منذ احتلال العراق، حين نجحت الكتلة الكردية في مجلس النواب بكسب عدد كبير من نواب «القائمة العراقية» بزعامة إياد علاوي، إلى جانب مسودة جديدة لمشروع قانون النفط والغاز داخل اللجنة البرلمانية الخاصة بذلك. يحدث هذا بعد «تعليق» مسودة سنة 2007 لهذا القانون لأنها ضُمِّنت بنوداً تتعارض وطموحات الزعامات الطائفية والعرقية المنادية بالاستقلال الذاتي واللامركزية الواسعة. هذا التطور الجدّي يعني الكثير سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، حتى إنّ بعض المراقبين نظروا إليه كزلزال سياسي واقتصادي وشيك، سيقدم الأرضية الاقتصادية والدستورية لمحاولات تقسيم أو تفكيك العراق إلى دويلات أو أقاليم طائفية بعدما يضع مفاتيح الثروة النفطية بين أيدي ممثلي الكتل الطائفية ــــ الإثنية الكبيرة الثلاث (الشيعة والسنة العرب والأكراد)، الذين هم في الوقت ذاته زعماء الكتل النيابية الكبيرة الثلاث: «التحالف الوطني» بزعامة المالكي، والقائمة العراقية بزعامة علاوي، والتحالف الكردستاني بزعامة الرئيسين جلال الطالباني ومسعود البرزاني.
كانت الحكومة الاتحادية قد قدمت سنة 2007 إلى مجلس النواب مشروع قانون النفط والغاز الذي ينظم إدارة ملف الثروة النفطية والغازية العراقية الهائلة التي تجعل من البلاد صاحبة رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم. لكن الحكومة فشلت حينذاك في تمريره بسبب معارضة قوية أبدتها الزعامات الكردية التي رأت أن القانون سيكون تكريساً للمركزية السياسية في البلاد، وانتزاعاً لمكتسباتها «الاستقلالية» التي حققتها بالتحالف مع الاحتلال، ومن بين هذه المكتسبات عشرات العقود النفطية ــــ استخراجية وتنقيبية ــــ التي أبرمتها مع شركات أجنبية من دون الرجوع إلى بغداد أو التشاور معها.
وقبل أيام قليلة، نجحت لجنة النفط والغاز البرلمانية (يرأسها النائب عدنان الجنابي عن قائمة علاوي) بصياغة مسودة جديدة تختلف في أمر استراتيجي عن مسودة عام 2007، ألا وهو محاولتها تفكيك ملف الثروات النفطية وانتزاعه من أيدي الحكومة وتحويله إلى البرلمان لتتحكم به سلطة مؤلفة من رؤساء الكتل الطائفية الكبيرة الثلاث. معنى ذلك أنّ مسودة اللجنة البرلمانية تستهدف «تطييف» هذا الملف، وإدخاله إلى دائرة المحاصصة الطائفية، بما يحوِّل وزارة النفط الاتحادية إلى «مجرّد مكتب فخم، فيما السلطة الحقيقية بأيدي لجنة من السياسيين وبضعة خبراء»، على حد تعبير الخبير النفطي النرويجي رايدر فيشر. إنّ الخلاف لم ينته بعد بين لجنة النفط والغاز البرلمانية برئاسة الجنابي، وبين «لجنة النفط والطاقة الحكومية» التي يرأسها نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني، أشد المسؤولين رفضاً للعقود الكردية، والتي أعدّت مسودة جديدة تستلهم على ما يبدو المسودة الطائفية لعام 2007. وظلّ هذا الخلاف سائراً نحو التفاقم حتى أتت مصادقة حكومة المالكي أخيراً على القانون الجديد لوقف هذا التفاقم واستعادة زمام المبادرة السياسية.
المثير للشبهة هو أنّ القوى التي كانت خلف المسودة البرلمانية الجديدة، تصرّفت بشكل مريب يشبه الانقلاب الأبيض، فقد تجاهلت تماماً وجود مسودة 2007 والمسودة الحكومية الجديدة التالية لها، ثم فاجأت النواب بنص مسودتها «شبه السرية» الجديدة مطالبة بقراءتها والتصويت عليها، رغم أنّ أحداً «لم يسمع بهذا النص حتى أوائل آب الماضي، وعلى حد علمي لم يُستدعَ أي شخص أو خبير لمناقشته قبل إقراره من قبل هذه اللجنة، كما لم تعقد ندوة للخبراء داخل لجنة الطاقة لمناقشته»، بحسب ما كتب الخبير النفطي العراقي، والمناوئ الشهير لسياسات الاحتلال وحلفائه النفطية ومؤلف عدة كتب ودراسات في هذا الميدان، فؤاد قاسم الأمير.
حين تمت الدعوة إلى القراءة الأولى للمسودة الجديدة في 17 آب الماضي، وأصرّ نواب من «الكردستاني» و«العراقية» على إجرائها، رفض «التحالف الوطني» وانسحب نوابه من الجلسة، فلم يكتمل النصاب القانوني، وأُجِّل أمرها. كانت حجة الرافضين للمسودة «الكردو ــــ علاوية» تستند إلى حقيقة «وجود مسودة قانون معدة ومقدمة من قبل الحكومة منذ أربعة أعوام، وهي المعتمدة والمتفق عليها داخل لجنة النفط والطاقة واللجنة القانونية، إلا أننا فوجئنا اليوم بأن هناك مجموعة من الأعضاء، وبتبنٍّ من النائب عدنان الجنابي، يقدمون مقترح قانون النفط والغاز»، وفق كلام ممثلة «التحالف الوطني» في اللجنة البرلمانية، النائبة رحاب نعمة.
مراقبون للشأن النفطي لم يفاجأوا بوقوف علاوي وعدد كبير من نواب حركته «الوفاق» وقائمته «العراقية» مع المناصرين للمسودة «شبه الانقلابية» الثالثة؛ فقد عُرِفَ عن النائب علاوي تأييده لاستراتيجية «عقود المشاركة في الإنتاج النفطي» التي يجمع عدد من الخبراء النفطيين على أنها مدمِّرة للصناعة النفطية العراقية، والتي روّج لها الاحتلال الأميركي وممثلو شركاته النفطية، وحاولوا فرضها على الحكومة العراقية. كما لم يكن مفاجئاً تأييده ومن معه لمساعي الكتلة الكردية لـ«تطييف» الملف النفطي، رغم علوِّ نبرة شعاراتهم المضادة للطائفية في الإعلام، إنما المفاجئ هو ورود اسم النائب والقيادي الصدري بهاء الأعرجي ضمن قائمة المؤيدين. وسبب المفاجأة أنّ هذا التيار عُرف برفضه العلني لمشروع القانون بصيغته القديمة والأقل سوءاً من مسودة تحالف علاوي والكردستاني بكثير.
يلخّص الخبير النرويجي فيشر الفرق الرئيسي بين مسودة 2007 والمسودة «الكردو علاوية» بالآتي: تنقل المسودة الجديدة مسؤولية الملف النفطي من الحكومة الاتحادية إلى «لجنة النفط والطاقة البرلمانية»، وحصراً إلى ممثلي القوى الطائفية الثلاث الكبرى، وتمنحها حق إبرام الصفقات التوافقية إذا عزّ الاتفاق، وبحق النقض «الفيتو» ضد أي صفقات نفطية، بشرط حصول اقتراح النقض على نسبة الثلثين من أصوات أعضاء اللجنة، وبالتالي إذا لم يحصل الاتفاق على هذه النسبة من الاعتراض تعتبر الصفقة مشروعة وسارية المفعول تلقائياً. كما تنص المسودة على حرمان مجالس المحافظات من هذا الامتياز وحصره بالأقاليم. وإذا ما علمنا أن هناك إقليماً واحداً هو الإقليم الكردي، اتضحت لنا الصورة: المطلوب هو تمرير الصفقات النفطية «وفق صيغة عقود المشاركة في الإنتاج»، مع إضافة سمة «كردية» خالصة لتلك الصيغة تمثلت في إضافة حصة يمكن وصفها بالغريبة إلى تلك العقود تتراوح نسبتها بين 15 في المئة إلى 25 في المئة تمنح لطرف ثالث، أطلق عليه اسم «جهات عراقية ذات كفاءة أو شركات أجنبية» التي تعقدها الزعامات الكردية والتي دأبت الحكومة الاتحادية على رفضها وعدم الاعتراف بها.
وكان بإمكان الزعامات الكردية، لو أقرّت مسودتها التي جاء قانون الحكومة الاتحادية ليقطع الطريق عليها، تمرير صفقاتها بعدما ضمنت موافقة ممثلي طائفة العرب السنة لا الطائفة نفسها، وأسقطت حق النقض الفيتو الذي يتطلب تحقق ثلثي الأصوات.
وما الذي سيحصل عليه ممثلو العرب السنة في مقابل إتاحتهم للزعامات الكردية انتزاع الملف النفطي من الحكومة الاتحادية؟ لا جواب عن هذا السؤال في الوقت الحاضر لدى المحللين السياسيين والاقتصاديين، لكن يمكن استشفاف جواب أولي إذا ما تم الربط بين هذه التطورات وتصاعد مطالبة قيادات عربية سنية ــــ من بينها رئيس البرلمان أسامة النجيفي خلال زيارته إلى واشنطن ــــ بإقامة إقليم اتحادي على أساس طائفي، الأمر الذي يبدو أن الزعامات الكردية ستكون من أشد مؤيديه، رغم أنه لا يحظى بأي تأييد جماهيري في المناطق «ذات الأغلبية العربية السنية».
أما بخصوص استثناء المحافظات من هذا «الحق» في ما سمّاه أحد الخبراء «تدمير» الصناعة النفطية العراقية عبر اعتماد سياسة الحصص في توزيع الثروات النفطية والغازية وحصره بالأقاليم، فهو خرق صريح للدستور الذي يساوي بين الإقليم والمحافظة. هذا المعنى كرره حرفياً الخبير فؤاد الأمير حين كتب أن الدستور العراقي «يعامل الإقليم والمحافظة على مستوى واحد، ولهذا يذكر الدستور دائماً مصطلحات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم» أو «حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز».
للوهلة الأولى، يظهر أنّ المالكي وتحالفه «الوطني» في هذا المشهد متصدّيان لمهمة الدفاع عن الصناعة النفطية العراقية، وعن وحدة الكيان العراقي وتماسكه في مواجهة مخاطر التفكيك والشرذمة الطائفية بدفاعه عن حصر مهمة إدارة الملف النفطي بالحكومة المركزية وعدم توزيعه على طريقة المحاصصة الطائفية. غير أنّ تدقيقاً أكثر تبصُّراً وحيادية قد يدفع إلى التساؤل إنْ كان المالكي متساوقاً ومنسجماً فعلاً مع توجه جذري في وطنيته ومعاداته للطائفية السياسية ولنسختها الاقتصادية الجديدة، أم أنه فقط يدافع عن المصالح الخاصة بالطائفة الأكبر سكانياً التي يمثلها وينتمي إليها.




توزيع النفط على المواطنين


منح الزعيم العراقي مقتدى الصدر، أمس، «فرصة أخيرة» لحكومة نوري المالكي لتحسين الواقع الخدماتي في البلاد، وذلك لتبرير تأجيل دعوة أنصاره لتظاهرة «سلمية مفتوحة» كانت ستجرى يوم الجمعة المقبل. ونقل بيان عن الصدر قوله «أجد من المصلحة أن يهبّ الشعب العراقي بكل أطيافه للخروج بتظاهرة مفتوحة للمطالبة بحقوقه وخدماته»، لكنه استدرك قائلاً إن «هذه آخر فرصة، قبل تحديد موعد تلك التظاهرة الشعبية السلمية المفتوحة». وتابع الصدر «خلال هذه الفرصة، يجب على الحكومة إعطاء حصة لكل مواطن عراقي من النفط العراقي»، إضافة إلى «تشغيل ما لا يقل عن خمسين ألف عاطل من العمل من جميع المحافظات». كما دعا إلى «توزيع الوقود على المولدات (الخاصة) في جميع المحافظات مجاناً قبل تحسين واقع الكهرباء في تلك المناطق». وكانت مصادر عراقية قد كشفت أن المالكي أرسل وفداً إلى طهران لإقناع القيادة الإيرانية بالضغط على الصدر لتأجيل هذه التظاهرة التي كانت مقررة أو لإلغائها.
(أ ف ب)