رام الله | أكان اسمه «استحقاق أيلول» بالنسبة إلى الفلسطينيين أم «بذور الصيف» لإسرائيل، لا يبدو أنّه سيكون حدثاً عادياً عابراً؛ ففيما يحشد الفلسطينيون كل جهودهم استعداداً للحدث الدبلوماسي، ها هم الإسرائيليون يعملون على تدريب المستوطنين وتسليحهم، في سابقة هي الأخطر على الإطلاق. ويمكن اعتبار ما جرى في قريتي قصرة وجالود القريبتين من نابلس، أمس، من حرق المساجد، بمثابة «بروفة» لما هو آتٍ. لقد عمد المستوطنون الى إضرام النار فجراً بمسجد النورين في قرية قصرة جنوب نابلس، بعدما حطموا الزجاج الخارجي للمسجد، وهو الأحدث في القرية، وكتبوا على سور المسجد شعارات مسيئة للإسلام ولرسوله، بذريعة احتجاجهم على جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي عمد إلى إخلاء النقطة الاستيطانية العشوائية «ميغرون» قرب رام الله وهدمها. ولم يكتف المستوطنون بذلك، بل هاجموا السيارات وحطموا زجاج المركبات الفلسطينية على طرق نابلس ــــ رام الله، وجنين ــــ نابلس الرئيسية، ومفترق جيت جنوب نابلس، وردّدوا شعارات عنصرية تدعو إلى قتل العرب، كما انتشر مستوطنو «شيلو» على الشارع الرئيسي ونصبوا كمائن للمواطنين. هي حرب عصابات بكل ما للكلمة من معنى. في هذا الوقت، كان عشرات المستوطنين يقتحمون بلدة جالود قبل أيام، منطلقين من مستوطنة «أحيا» المُقامة على أراضي القرية، وهاجموا أهاليها واعتدوا على عدد من المنازل والممتلكات، وطالبوا الأهالي، تحت تهديد السلاح، بترك بيوتهم وإخلاء القرية.

جميعها اعتداءات تتزامن مع بدء جيش الاحتلال بتدريب وتسليح ضباط الأمن ومجموعات في المستوطنات من أجل مواجهة أي تظاهرات يُتوقع أن ينظمها الفلسطينيون بالتزامن مع المسعى لنيل اعتراف الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة في الشهر الجاري. وقد شملت هذه الاستعدادات والتدريبات تلقين المستوطنين وعناصر الأمن إطلاق النار على متظاهرين. وفي السياق، قالت صحيفة «هآرتس» إنه في إطار هذه التدريبات، جرى رسم خط أحمر لكل مستوطنة، بشكل يُسمح للمستوطنين بإطلاق النار على فلسطينيين في حال تجاوزه، وذلك على غرار ما جرى حين أطلق جيش الاحتلال النار على فلسطينيين وسوريين ولبنانيين في ذكرى النكبة والنكسة في أيار وحزيران الماضيين، وقتل آنذاك 23 متظاهراً وأُصيب المئات بجراح، رغم أنهم لم يتجاوزوا الحدود. وأكّدت الصحيفة أن الجيش يعمل في الأيام الأخيرة على تلخيص الاستعدادات لعملية «بذور الصيف» العسكرية، وهو الاسم الذي يطلقه الجيش على معركته لإجهاض التوجه الفلسطيني الى الأمم المتحدة. كما كشفت «هآرتس» أنها حصلت على وثيقة عسكرية تُبيّن خطة العمل المركزية لجهاز الأمن الإسرائيلي، التي تتوقع أن يؤدي الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى هبّة شعبية فلسطينية تشمل بالأساس «أعمال شغب» ومسيرات باتجاه شوارع رئيسية ومستوطنات ومراكز تعليمية ومحاولات للمس بـ«رموز الحكم». وتضيف الوثيقة أنّه «قد تكون هناك أوضاع متطرفة مثل إطلاق النار من داخل تظاهرات أو تنفيذ عمليات إرهابية». ويستعد جيش الاحتلال أيضاً لمواجهة تظاهرات قد تنظّم في دول عربية مجاورة لفلسطين المحتلة، ولمسيرات نحو مناطق محاذية للحدود مثلما حصل في أيار وحزيران.
وفي الإطار، قامت قوات الاحتلال بسلسلة تدريبات للمستوطنين في معسكر قرب مستوطنة «شيلو» جنوب القدس المحتلة، تحت ذريعة بذل الجهود لإعداد المستوطنين تحسّباً لتطورات الشهر المقبل. المعلومات التي وصلت إلى «الأخبار» تؤكّد أنّ قائد الجبهة الوسطى لجيش الاحتلال، اللواء آفي مزراحي، يعتزم إصدار مذكرة موجهة إلى المستوطنين خلال الأيام المقبلة، تتضمن تفاصيل عن استعدادات لأنشطة فلسطينية محتملة في الشهر الجاري. وأفادت معلومات بأن الجيش الإسرائيلي سيزوّد المستوطنين بمعدات لتفريق التظاهرات، وخصوصاً في المستوطنات القريبة من المدن والقرى الفلسطينية والتي يبلغ عددها العشرات. وأكّدت مصادر إسرائيلية أنّ هناك رعاية من أحزاب اليمين المتشدّد في الدولة الصهيونية للمستوطنين الذين يعكفون على وضع خطة للردّ على أي تحرّك جماهيري سلمي فلسطيني.
وتبيّن الخطة الأمنية نفسها أنّ خط المواجهة الذي يرسمه المستوطنون المتطرفون سيكون «أطفالاً ضدّ أطفال ونساء ضدّ نساء»، علماً بأن المتظاهرين الفلسطينيين عُزّل في مواجهة نحو نصف مليون قطعة سلاح يملكها المستوطنون وحدهم. بدورها، أكّدت منظمات يمينية يهودية أنها بدأت منذ الشهر الماضي بإعداد وتنظيم فعاليات شعبية من المستوطنين للدخول الى خط المواجهة فوراً والانقضاض على أي تحرك جماهيري فلسطيني محتمل، ما يفتح المجال بقوة أمام مواجهات مباشرة وحادة بين الطرفين.
ولهذه الغاية، أطلقت عضو الكنيست الإسرائيلي ميخال بن أوري تهديدات في هذا الشأن، قائلةً «لن نسمح بأن تتحول المستوطنات اليهودية إلى أدوات لعب بأيدي الفلسطينيين، الجيش طمأننا وقال إنه سيحمينا ويحافظ على الهدوء، إلا أننا نعرف أن الجيش هو درع واقية وليس جهة سياسية مقررة، لذلك سوف نبادر نحن ونقرر نحن».
على الجانب الفلسطيني، أعلنت حركة «فتح» أن السياسات الإسرائيلية لن ترهب الشعب الفلسطيني، وأن التهديد بالمستوطنيين سيؤدي إلى تصعيد الأوضاع، بينما أدانت السلطة الفلسطينية حرق مستوطنين مسجد النورين في نابلس، وحمّل رئيس الحكومة سلام فياض، إسرائيل، المسؤولية الكاملة عن استمرار هذه «الأعمال الإرهابية».