أعادت الاشتباكات في ولاية النيل الأزرق خلال الأيام الماضية، ومن قبلها المعارك في جنوب كردفان، دق ناقوس الخطر إزاء الأوضاع في السودان وإمكان تعرض وحدته لاختبار جديد، متى ما تهيأت الظروف الموضوعية لذلك. فالولايتان الواقعتان على الحدود بين الشمال والجنوب، مثّلتا إلى جانب أبيي، منذ انطلاق المفاوضات بشأن اتفاقية للسلام الشامل «نيفاشا» بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، مادة للخلاف، بسبب موقعهما الجغرافي وقتال العديد من سكانهما إلى جانب الحركة الشعبية إبان الحرب الأهلية. وبالفعل، أخر الخلاف حول وضع الولايتين التوصل إلى اتفاقية السلام، إلى أن كان التوافق على تخصيصهما ببروتوكول خاص نص على إجراء المشورة الشعبية للوقوف على رأي سكانهما من اتفاقية السلام وبحث سبل معالجة اعتراضاتهما عليها إن وجدت.

وعوضاً عن أن يكون شروع السلطات في إجراء المشورة الشعبية سبيلاً إلى إيصال اتفاقية السلام إلى خواتيمها، تحول إلى سبب في ارتفاع مستوى التوتر بعدما تعطلت نتائجها، وصولاً إلى لحظة تفجر الأوضاع عسكرياً، واندلاع اشتباكات متقطعة بين مقاتلي الحركة الشعبية والقوات الحكومية.
قتال أظهرت مجريات الأحداث أن الحكومة السودانية تصر على وأده في مهده لكي لا يتحول، تحت أي ظرف، إلى «جنوب» جديد في خاصرة الشمال الذي لم يمض سوى شهرين على فقدانه قرابة الـ25 في المئة من مساحته، ولذلك اختارت الحكومة مبكراً اللجوء إلى الحسم العسكري.
وعلى عكس ما جرى في ولاية جنوب كردفان قبل أشهر، كان الجيش السوداني على أهبة الاستعداد لأي هفوة ترتكبها الحركة الشعبية في المنطقة للانقضاض سريعاً عليها، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ إن خلافاً محدوداً بين عناصر من الجيش السوداني ومسلحين تابعين لوالي النيل الأزرق، مالك عقار، كان كفيلاً بتنفيذ القوات النظامية السودانية، ضمن خطة معدة مسبقاً، هجوماً قاسياً وحاسماً، نجح في طرد الولي وقواته من المنطقة.
وفي موازاة الحسم العسكري، رفعت الحكومة السودانية مجموعة من اللاءات في تعاطيها مع الأزمة الراهنة، فأعلنت رفض الحوار مع الحركة الشعبية ـــــ قطاع الشمال. وأقدمت، في خطوة متوقعة منذ فترة، على حظر أنشطة الحركة وإغلاق مكاتبها في كافة أنحاء البلاد، متذرعة بأن الأخيرة امتنعت عن تسجيل نفسها حزباً سياسياً بعد انفصال جنوب السودان وفقدان الحركة الشعبية لتحرير السودان، بزعامة سيلفا كير ميارديت، الحق في ممارسة أي نشاط في دولة السودان، فيما وجهت البرلمان السوداني لدراسة قانونية عضوية نواب الحركة الشعبية في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق، تمهيداً لسحبها منهم.
كذلك، بدت الحكومة السودانية، منذ اللحظة الأولى، جازمةً في رفض قيام أي طرف خارجي بدور الوساطة أو التفاوض خارج البلاد، رغبة منها في عدم تكرار تجارب المفاوضات في مصير الجنوب، عندما وجدت نفسها أسيرة لمفاوضات خارج السودان، جعلت من وجهة نظرها القضية الأكثر تعقيداً وقابلية للتأثر بمصالح الأطراف الخارجية.
وفي محاولة لسحب أي ذريعة للتدخل الخارجي، سارعت الحكومة السودانية، على عكس التجارب السابقة، إلى فتح ولاية النيل الأزرق أمام وسائل الإعلام للحد من إمكان استغلال المنظمات الإغاثية للحادث وتحويله إلى قضية رأي عام عالمي، على غرار قضيتي دارفور وجنوب السودان.
في مقابل التحرك المدروس الذي تقوم به الحكومة السودانية، بدت مواقف الحركة الشعبية ـــــ قطاع الشمال، منذ انفصال الجنوب، تفتقر إلى الحنكة السياسية التي طبعت ممارسات مؤسس الحركة جون قرنق، ومكنته من انتزاع حق تقرير المصير. وبعدما أصرت الحركة على التعنت في مواقفها، رافضةً التسجيل كحزب سياسي جديد في الشمال والتفاهم مع الحكومة حول آلية محددة لتسليم مقاتليها السلاح، لم يتوان أبرز قيادييها، مالك عقار، الذي بات يتولى رئاسة الحركة، ونائبه عبد العزيز حلو إلى جانب الأمين العام، ياسر عرمان، عن إطلاق المواقف التصعيدية في مواجهة الخرطوم، بما في ذلك التهديد برفع مطلب تقرير المصير إلى جانب التنسيق مع الحركات في الشرق ودارفور للعمل على إسقاط الحكومة المركزية بقوة السلاح.
وفي محاولة لإثبات جدية تهديداتها، أقامت الحركة تحالف الجبهة الثورية السودانية بالاتفاق مع حركة تحرير السودان، التي تقاتل في دارفور، تحت قيادة كل من عبد الواحد محمد نور، ومني أركو مناوي، الذي عاد إلى حمل السلاح في وجه الدولة بعد استقالته من منصبه ككبير مساعدي الرئيس السوداني عمر البشير.
إلا أن هذا التحالف تدرك الحركة الشعبية ـــــ قطاع الشمال محدوديته في تحويل تهديداتها، على الأقل في المدى القصير، إلى أمر واقع، وخصوصاً أن المعطيات الداخلية إلى جانب الإقليمية والدولية ليست في مصلحتها. فالرأي العام السوداني، لا يبدي حماساً لطروحات الحركة الشعبية ـــــ قطاع الشمال. ولن تجدي نفعاً هذه المرة إعادة رفع شعارات التهميش، أو رفع شعار السودان الجديد القائم على التنوع السياسي والعرقي والثقافي، وخصوصاً أن الانفصال أثبت، في نظرهم، أن تمسك الحركة بهذا الشعار لم يكن سوى وسيلة لتحقيق الانفصال.
وعلى الرغم من تحميلهم جزءاً كبيراً من المسؤولية للحكومة عما آلت اليه الأوضاع في الولايتين، إلّا أن جزءاً كبيراً من السودانيين يعتقد أن تهديدات الحركة منحت الحكومة السودانية فرصة ذهبية للجوء إلى الخيار العسكري، وإبعاد الأنظار عن حالة الغليان التي يعاني منها الشارع السوداني نتيجة الأوضاع المعيشية المتردية.
عائق إضافي يواجه طموح الحركة الشعبية ـــــ قطاع الشمال، مرتبط بدولة جنوب السودان. فالمواقف الصادرة عنها، حتى اللحظة، لا توحي برغبتها في إنتاج حرب جديدة. وعلى الرغم من اتهامات حكومة الخرطوم لها بدعم مقاتلي الحركة الشعبية في الشمال، تحاول حكومة الجنوب النأي بنفسها، مكتفيةً بدعوة طرفي النزاع إلى العودة إلى اتفاقية السلام الشامل لحل خلافاتهما، ولا سيما في ظل وجود عدد كبير من القضايا العالقة بين الشمال والجنوب، التي لم يستطع الطرفان التوصل إلى حل لها حتى اللحظة، وعلى رأسها قضايا توزيع عائدات النفط والديون.
كذلك فإن رهان الحركة الشعبية ـــــ قطاع الشمال على دعم إقليمي، لا يبدو أن الظروف الحالية مواتية له، وخصوصاً أن الحركات المتمردة في السودان، فقدت بانهيار النظام الليبي، أحد أبرز داعميها، فيما تنشغل الدول الأفريقية المحيطة بالسودان بترتيب بيتها الداخلي منعاً لأن تطاولها رياح التغيير.
أما الولايات المتحدة، فمن الواضح أنها متوجسة من تحركات قيادات الحركة الشعبية في قطاع الشمال، لكنها حرصت في الوقت نفسه على حث الحكومة السودانية على إيجاد حل سلمي للأزمة، من خلال تأكيد مبعوثها الخاص لدى السودان، برنستون ليمان، أمس، بعد محادثاته مع وزير الخارجية السوداني علي أحمد كرتي أن «واشنطن تريد مواصلة تطبيع العلاقات مع الخرطوم، لكن العنف في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان يمثل عقبة».