يبدو أنّ الأطراف المتنازعة على السلطة في ليبيا قد باتت أكثر قرباً من التوصل إلى اتفاق سياسي يقضي بإقامة «حكومة وفاق وطني» تُنهي ثنائية الشرعية (طرابلس وطبرق) القائمة في البلاد منذ نحو عام، وذلك استناداً إلى صيغة حل يسعى رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، برناردينو ليون، إلى تأمين أوسع قاعدة احتضان سياسي لها عبر تنظيم عدد من جلسات الحوار.


وفي اختتام جلسات استمرت ليومين في مدينة جنيف السويسرية، أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا أنّ الأطراف المتحاورة أكدت «إصرارها على الانتهاء من عملية الحوار في أقرب وقت ممكن، ويكون في غضون الأسابيع الثلاثة المقبلة». وأضافت في بيان أمس، أنّ «من شأن إنجاز عملية الحوار أن يمهد الطريق نحو قيام الأطراف باعتماد الاتفاق السياسي الليبي نهائياً على أن يتبع ذلك التصديق الرسمي عليه في أوائل أيلول».
ووفق آخر مسوَّدات الاتفاق السياسي المشار إليه، فإنه يتضمن تشكيل «حكومة وفاق» لعام واحد، إلى جانب اعتبار البرلمان (مجلس نواب طبرق) السلطة التشريعية في البلاد، وذلك بموازاة تشكيل مجلس دولة يكون «أعلى جهاز استشاري للدولة»، ويتألف من 120 عضواً في أغلبهم من أعضاء «المؤتمر الوطني العام» المنتهية ولايته. وبرغم إشارة بيان بعثة الأمم المتحدة إلى «ضرورة إحراز تقدم عاجل على صعيد المسار الأمني لعملية الحوار، بالتوازي مع التقدم الذي أُحرز في المسار السياسي»، لكنْ يتضح أنّ الاتفاق المرتقب يستهدف بدرجة أولى حل أزمة انقسام السلطة في البلاد.


قد يتمثل الخلاف
الأساسي بتوزيع النفوذ داخل الحكومة الجديدة


واكتسبت جلسات جنيف أهمية خاصة، نظراً إلى خريطة القوى السياسية المشاركة فيها شملت وفداً ممثلاً عن «المؤتمر الوطني العام» (السلطة التشريعية في طرابلس). وبينما كان «المؤتمر» رافضاً مبدأ العودة إلى الحوار لرفضه توقيع بقية أقطاب الحوار بالأحرف الأولى في المغرب قبل نحو شهر على اتفاق «سلام ومصالحة» كان لديه اعتراضات على مسودته، فإن تبدلاً طرأ قبل أيام على موقفه إثر إطلاق مساع دبلوماسية، إقليمية ودولية (الجزائر وإيطاليا)، هدفت إلى تذليل العقبات أمام مشاركته.
وتلخصت مطالب «المؤتمر» آنذاك بإدخال تعديلات على مضامين الوثيقة الموقع عليها في مدينة الصخيرات المغربية، أو على الأقل إدخال التعديلات ضمن ملاحق الاتفاق النهائي. وقد أشار بيان بعثة الأمم المتحدة إلى هذه النقطة، بذكره أنّ برناردينو ليون «شرح للأطراف كيف ستتم المباشرة في بحث ومناقشة ملاحق الاتفاق السياسي الليبي وتشكيل حكومة الوفاق الوطني»، فيما ذكرت مصادر أنّ مناقشة ملاحق الاتفاق ستبدأ في بداية الأسبوع المقبل.
الجدير بالذكر أنه إلى جانب المساعي الدبلوماسية التي أسهمت في إعادة «المؤتمر» إلى جلسات الحوار برعاية بعثة الأمم المتحدة، تعرضت رئاسة «المؤتمر» في المدة الأخيرة لضغوط داخلية قادتها أطراف سياسية وازنة في طرابلس، وكان «حزب العدالة والبناء» (إخوان مسلمون) أبرز هذه الأطراف. وقد أشار رئيس «العدالة والبناء»، محمد صوان، في حوار صحافي نُشر أمس، إلى «تواصل الحزب مع المؤتمر بطريقة مباشرة من طريق كتلة العدالة والبناء، وهي الأكبر داخل المؤتمر الآن»، بغية دفعه باتجاه المشاركة في الحوار، معتبراً أنّه «برغم غياب المؤتمر عن بعض الجولات السابقة، فإنه يتوقع أن يوافق على الاتفاق، لأن التعديلات المطلوبة من طرفه محدودة ويمكن مراعاتها، بخلاف ما يثار في الإعلام».
وبمتابعة مواقف الأطراف الليبية واستناداً إلى ما تنقله مصادر مقربة من جلسات الحوار، فإنّ الخلاف الأساسي لم يعد على علاقة بآلية إعادة صياغة السلطات الليبية وإنشاء مؤسسات جديدة، بقدر ما هو على علاقة بكيفية توزيع النفوذ داخل الحكومة المرتقبة، خصوصاً لناحية دور شخصيات مثل اللواء خليفة حفتر فيها وإمكانية تسلمه وزارة الدفاع، أو حتى بدرجة أقل لناحية عودة شخصيات إلى الساحة السياسية مثل رئيس الوزراء الأسبق، علي زيدان.
في سياق متصل، أطلق رئيس وزراء حكومة طبرق (المعترف بها دولياً)، عبد الله الثني، موقفاً لافتاً مساء أول من أمس، حينما تحدث خلال مقابلة متلفزة عن استقالته، في خطوة ليس من شأنها إضفاء مزيد من التعقيدات على المفاوضات القائمة. وتعرض الثني للإحراج خلال المقابلة مع إلقاء اللوم على حكومته لانعدام الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والوضع الأمني المقلق في المناطق التي تسيطر عليها. وقال: «إذا كان خروجنا هو الحل فأعلنها على الهواء، أنا أتقدم باستقالتي». وأضاف عبر برنامج «سجال» الذي تبثه قناة «ليبيا روحها الوطن» الموالية للحكومة: «يوم الأحد (ستكون) استقالتي مقدمة لمجلس النواب». لكنّ المتحدث باسم الحكومة، حاتم العريبي، عاد ليوضح لوكالة «فرانس برس» أنه «إذا طلب منه الشارع ذلك فسيستقيل، هذا كل ما في الأمر... حتى الآن، لم تقدم الاستقالة، ولا أملك جواباً عن كون الاستقالة ستقدم (إلى البرلمان) الأحد».
(الأخبار، أ ف ب)