نشر الخبير والباحث في شؤون النفط العراقي، فؤاد قاسم الأمير، يوم الخميس الماضي، دراسة «خطيرة» عن اتفاقية تطوير غاز البصرة المزمع إبرامها مع شركة «شِل» الهولندية، والمعروضة الآن أمام مجلس الوزراء العراقي. دراسة تكشف جسامة الخسائر التي ستحل بالعراق وصناعته النفطية في حال الموافقة على الاتفاقية، بما أنّ مليارات الدولارات ستذهب إلى الشركة الأوروبية، بينما الحكومة العراقية قادرة على الاستفادة منها مباشرةً.


يذكِّر كاتب الدراسة، وهو من العاملين لسنوات داخل المؤسسة النفطية العراقية، بأنه سبق له أن طرح تحفظاته وملاحظاته على «الاتفاقية الأولية بين وزارة النفط وشركة شِل لمشروع غاز الجنوب» الموقعة في 22 أيلول 2008، حين كانت تُعَدّ سرية، مستغرباً سرية هذا النوع من الاتفاقيات، حتى قيامه هو بنشر تفاصيلها وملاحظاته أواسط كانون الأول 2008، ثم نشرها في كتاب بعنوان: «الاتفاقية الأولية بين وزارة النفط وشركة شِل لمشروع غاز الجنوب: آراء وملاحظات» في كانون الثاني 2009. بعد تحليلات معمَّقة واستعراض مسهَب لتفاصيل الموضوع، انتهى الباحث إلى خلاصة تدعو إلى رفض التوقيع والتصديق على هذه الاتفاقية، والاستعاضة عنها بمشروع محلي عراقي لتنفيذها اعتماداً على الكفاءات الوطنية المدعَّمة بعقود الخدمة الفنية مع شركات الهندسة الأجنبية. وبعد ثلاث سنوات، أضاعتها وزارة النفط عبثاً، فيما الغاز العراقي المصاحب للنفط المستخرج من آبار البصرة يواصل احتراقه من دون استغلاله منذ عشرات السنين. وبدلاً من أن تُرْفَضُ الاتفاقية المذكورة، وتباشر الوزارة القيام بإعادة تأهيل مشروع غاز الجنوب بنفسها، نعود اليوم لنجد «الاتفاقية النهائية» جاهزة وموضوعة أمام مجلس الوزراء لإقرارها والتصديق عليها. يعتقد كاتب الدراسة أنّ المسؤولين الحكوميين، الذين يريدون إمرار هذه الاتفاقية مع «شل» ـــــ التي أشركت معها في المشروع شركة متسوبيشي اليابانية بنسبة 5 في المئة، إضافة إلى الشريك المحلي العراقي ممثلاً بـ«شركة غاز الجنوب» ـــــ إنما يضعون مجلس الوزراء العراقي وكافة العراقيين أمام خيارين مُرّين، رافضِين بإصرار مريب الخيار الثالث؛ الخيار الأول هو إمرار الاتفاقية بشروطها المجحفة من الجانب العراقي، والثاني هو استمرار احتراق الغاز العراقي المصاحب للنفط من دون استغلال. أما الخيار الثالث، الذي لا يريد المسؤولون الحكوميون التفكير به لأسباب لا يبوحون بها، فهو تنفيذ المشروع من جانب كوادر وكفاءات المؤسسة النفطية العراقية بالاستعانة بالخبرات الأجنبية عبر عقود خدمة فنية عادية مع تلك الشركات.
يكتب الأمير في دراسته: «لقد لاحظت منذ بداية الاحتلال، أن المحتل بعدما فشل في إمرار أجندته للسنوات الثماني الماضية، يعمل على إيصال العراقيين إلى حالة من اليأس، سواء في القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ليقنعوا بما هو موجود أمامهم. وقد نجح في أمور كثيرة، ولكنني أقف عند إعادة تأهيل مشروع غاز الجنوب، ولا يمكن أن يصل بي اليأس حتى أوافق على هذه الاتفاقية الظالمة بحق الشعب العراقي». ويحدّد هدفه قائلاً إنه لا ينتظر رفض التصديق على تلك الاتفاقية من مجلس الوزراء فحسب، بل أن يوجّه المجلس فوراً أوامره إلى وزارة النفط بتنفيذ المشروع المذكور من طريق عقود الخدمة الفنية المباشرة. يبدو أنّ ثقة الباحث العراقي كبيرة في أن «باستطاعة وزارة النفط تنفيذ ذلك، فهي تقوم حالياً بمعية الشركات الأجنبية بأعمال مشابهة، سواء بالنسبة إلى تأهيل المصافي، أو إعداد وثائق المناقصة، وصيغ العقود للمصافي الكبيرة المنوي إعلانها قريباً، كذلك بالأمور المتعلقة بإكمال توسيع إمكانات التصدير للنفط من موانئ البصرة.

تفاصيل العقد

بالعودة إلى بدايات القصة، يخبرنا الأمير أنّ الغرض من هذه الاتفاقية الأولية هو وضع الأسس«لإنشاء شركة مشتركة طويلة الأمد لمدة 25 عاماً قابلة للتمديد، تعمل في جنوب العراق، وفي محافظة البصرة، وأي مساحة أخرى يُتَّفَق عليها»، وهو ما يعني أن عمل الشركة سيمتد خارج البصرة. كذلك، ستكون الشركة المقترحة مملوكة بنسبة 51 في المئة من «شركة غاز الجنوب العراقية»، و49 في المئة من شركة «شل» الهولندية، ويمكن إضافة شريك أجنبي آخر، ولكن حصته ستكون ضمن حصة شركة «شل»، وهو ما حدث فعلاً لاحقاً حيث دخلت شركة «ميتسوبيشي» بنسبة 5 في المئة مع «شل». لكن وجود الغالبية المطلقة من أسهم الشركة بيد الطرف العراقي لا يقابله أي امتياز إداري تقريري لجهة اتخاذ القرارات التي «سيتساوى فيها الجميع وتُتخذ بالإجماع»، بمعنى أنّ حيازة الجانب العراقي لغالبية مطلقة من رأس المال لا يُصرَف على صعيد القرارات؛ لأن قدرة العراق التقريرية لا تختلف عن قدرة «متسوبيشي» اليابانية التي تحوز 5 في المئة من رأسمال الشركة. وحين يتساءل الخبير العراقي عن سبب اختيار شركة «شِل» من دون أن يكون أمامها أي منافس للقيام بهذا العمل، فهو لا يجد إلا جواباً غير مقنع تضمّنه كتاب وزارة النفط العراقية إلى مجلس الوزراء، يعلّل اختيار هذه الشركة بـ«عزوف غيرها من الشركات عن العمل لدواعٍ أمنية». ويستغرب الباحث هذا التعليل؛ لكون منطقة البصرة آمنة، وحتى إذا افترضنا جدلاً أنها غير آمنة، فلماذا توافق شركة «شِل» ذاتها على العمل فيها إنْ كانت حقاً كذلك؟ مع ذلك، فإنّ نقطة الخلل الكبرى في هذه الاتفاقية تتعلق بالأرباح والعائدات التي ستنالها الشركة الهولندية من دون مبرّر مقنع. فبعد تحليل للأرقام والنسب والكميات المتفق عليها، يتوصل الخبير إلى الخلاصة الكارثية الآتية: بعد تنفيذ الاتفاقية المذكورة وبدء جني العائدات، سنكون أمام واقع غريب يمكن توضيحه على النحو الآتي:
إنّ سعر الغاز الخام الذي ستشتريه الشركة المشتركة «المؤلفة بين شِل والشركة العراقية وميتسوبيشي اليابانية» من «شركة غاز الجنوب» سيكون نسبة ثابتة من العوائد المتسلمة من الشركة المشتركة نتيجة بيع منتجاتها (وهي الغاز الجاف والغاز السائل LPG والسوائل الهيدروكربونية الخفيفة) وبالأسعار العالمية، سواء أكان هذا البيع للاستهلاك المحلي أم للتصدير. ولمّا كان السعر العالمي للغاز الطبيعي الجاف عند إعداد دراسة الأمير بحدود 6 إلى 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ولما كان سعره الداخلي يبلغ 1,15 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإنّ هذا السعر العراقي الرخيص محلياً يبقى أغلى بكثير من سعره في الدول المجاورة (في إيران 35 سنتاً وفي السعودية والإمارات 75 سنتاً). تفيد النتيجة بأن الفرق في السعر بين ما تبيعه الشركة المشتركة (العراقية ـــــ الهولندية ـــــ اليابانية) للغاز الجاف، وما يباع للسوق المحلية والذي يصل إلى ما يقارب 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ستتحمله خزينة الدولة العراقية وحدها. ولهذا لن تكون هناك أرباح متحققة للدولة العراقية، إذا غضضنا النظر عن الضرائب التي ستجنيها وزارة المال التي ليس لديها علاقة بهذه الاتفاقية، بعكس «الشركة المشتركة» التي ستحقق أرباحاً كبيرة يذهب نصفها تقريباً إلى «شل» و«متسوبيشي»، وتصل إلى مليارات من الدولارات، فيما كان بإمكان وزارة النفط تنفيذ المشروع بكامله بمبلغ زهيد.
بمزيد من التفصيل، توضح الدراسة أن «شركة غاز الجنوب» ستحقق عائداً صافياً بحدود 9 مليارات دولار، من ضمنها كلفة الغاز الخام. وبعد تغطية التكاليف ومبالغ دعم الأسعار، سيتحقق كذلك لوزارة المال من الضرائب والرسوم مبلغ 22 مليار دولار. علماً بأن هذه العوائد ستكون نتيجة عمل فعلي لمدة 25 عاماً. ولكن ما أغفل المروّجون للمشروع ذكره، هو أن صافي أرباح شركتي «شِل ـــــ ميتسوبيشي»، سيكون أقل بقليل من صافي أرباح شركة غاز الجنوب البالغ 18,85 مليار دولار. والسؤال الذي تطرحه الدراسة مجدداً هو لماذا ندفع مثل صافي الأرباح هذا إلى شركة «شِل ــ ميتسوبيشي»، لمشروع ما هو إلا إعادة تأهيل ويخلو من أي تكنولوجيا جديدة (عدا وحدة تسييل الغاز التي لا نحتاج إليها)، ومعظم استثماراته تتولد من مبيعاته وتستطيع ميزانية الدولة تحمل الدفعات الأولى منها.
إنّ مشروع غاز الجنوب ليس مشروعاً جديداً، بل هو مشروع قائم فعلاً، وقد دمّر سلاح الطيران الأميركي جزءاً منه خلال حرب الخليج الثانية 1991، واحتلال عام 2003. وقد درست وزارة النفط إمكان إعادة تأهيله مع شركة «كيلوك براون أند رووت» الأميركية التي انسحبت منه في ما بعد. ثم قدمت شركة يابانية دراسة تفصيلية لإعادة تأهيله بكلفة قدرها 160 مليون دولار تتضمن ثمن كابسات الغاز، وقد رُفِضَ العرض الياباني أيضاً، من دون أن يعرف أحد السبب. ثم دخلت شركة «شِل» الميدان سنة 2007 وقدمت عرضاً بأقل من مليار دولار لإعادة التأهيل، ولكن المبلغ تضاعف على نحو عجيب وأصبح في آب 2011 ثلاثة مليارات ونصف مليار من دون احتساب وحدة تسييل الغاز الجاف. لم ينتهِ العرض المرعب بعد، ففي آخر تقدير للتكاليف قدمته «شِل»، بلغ الرقم 12,8 مليار دولار. إنّ مشروع اتفاقية غاز البصرة مع شركة «شِل» هو صفقة غير مبررة بجميع الحسابات، وتفريط واضح وموثَّق بالأرقام بالثروة الوطنية العراقية. وبموجب الدستور العراقي النافذ، رغم عيوبه الكثيرة، فإن مجلس الوزراء ورئيسه نوري المالكي والمسؤولين المباشرين عن هذا المشروع سيتحملون المسؤولية كاملة عن الخسائر التي ستلحق بالعراق، وهي بالمليارات، في حال إمرار هذه الاتفاقية والتصديق عليها.




بغداد: لا مشكلة في الاتفاق

رأى وزير النفط العراقي عبد الكريم لعيبي، يوم الأحد، تعليقاً على السجال الذي فتحه الخبير النفطي فؤاد قاسم الأمير، أنه «لا مشكلة» في اتفاق غاز البصرة مع شركة «رويال داتش شل». وقال لعيبي إنه «لا مشكلة في الاتفاق وجرت تسوية كل الخلافات بعد الاستعانة بثلاثة استشاريين». وتابع قائلاً إن لجنة الطاقة في مجلس الوزراء بحثت العقد وقدمته إلى الحكومة، معترفاً بأن مسودة الاتفاق لم تشهد أي تعديلات، من دون تحديد إطار زمني لتوقيع الاتفاق النهائي. وبشّر الوزير بأن المشروع المشترك سيوفر مليارات الدولارات على العراق، وضرب مثلاً بحرق النفط في الوقت الحالي لتوليد الكهرباء، جازماً بأن المشروع سيحقق نحو 31 مليار دولار للحكومة. ومن أهداف المشروع تجميع أكثر من 700 مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز الجاري حرقه في 3 حقول نفط بالجنوب.
(رويترز)