الصور التي تجمعهما معاً، شهيرة، يلعبان الشطرنج أحياناً ويشاهدان فيلماً أحياناً أخرى. يتمشيّان في حديقة المنزل. خالد هو الابن الأقرب إلى ملامح الأب. لذا أحبّّه المصريون، وخاصة أنه لا أحد سمع في حياة الاثنين عن ثراء الابن أو فساده.

خالد عبد الناصر ( 1949 ــــ 2011) الابن الأكبر للزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحل أمس بعد صراع مع المرض، وغيبوبة. رحل بعد أن شاهد الشعب يخرج ليرقص في قصر السلطان، ويهدم سور السفارة الإسرائيلية، ويطرد السفير الذي فشلت السلطة الحاكمة في أن تتخذ منه موقفاً. رحل خالد الذي لم يشعر يوماً في حياة أبيه أنه في وضع أفضل لكونه ابن الرئيس، بل إن الرئيس نفسه حذّره بقوة: «لو استخدمت اسمي للإساءة إلى أحد أو تجاوز في التصرف، فلن أتردّد في وضعك في السجن الحربي».

التزم الابن بالوصية، بل رفض العمل في السياسة بعد رحيل والده، مخلصاً للهندسة مجال دراسته، حتى جاءت كامب ديفيد وأصبح من الطبيعي أن يشاهد المصريون عملاء الموساد يتحركون في القاهرة بحرية، يجمعون المعلومات تحت غطاء دبلوماسي. عندها أسس في عام 1984 مع زميله الدبلوماسي المصري محمود نور الدين تنظيم «ثورة مصر»، بهدف مواجهة الجواسيس الذين يتخفّون تحت غطاء دبلوماسي، ووضع نور الدين أهداف التنظيم واضحة أمام أعضائه: تصفيه الكوادر الجواسيس العاملين تحت غطاء السلك الدبلوماسي، لكن بطريقة غير رسمية، حتى لا تقع مصر في أزمات دبلوماسية أو ما شابه.
كانت مهمة خالد هي إمداد التنظيم بالسلاح، ونجحوا في اغتيال ثلاثة من أعضاء الموساد الخطرين، فضلاً عن رجل استخبارات أميركية، وأصبح أفراد التنظيم مطلوبين من ثلاث جهات: الموساد والاستخبارات الأميركية، فضلاً عن الأمن المصري، حتى حدثت الخيانة وألقي القبض على الجميع.
لكنّ بِكْر الزعيم أبي خالد نجح في الهرب الى يوغوسلافيا، في حماية صديق والده الرئيس جوزف بروز تيتو. ظل هناك ثلاث سنوات كاملة، بعد صدور حكم الإعدام بحقه، لكن حدثت تدخلات من بعض الشخصيات العربية والساسة المصريين لإعادة فتح القضية مرة أخرى، على أن يعود خالد إلى مصر. عاد وحُكم ببراءته، بعد أن أصرّ محمود نور الدين وبقية الزملاء على نفي أي علاقة لابن الزعيم بالتنظيم، وإن كان نظام حسني مبارك المخلوع قد اشترط لعودته مرة أخرى عدم عمل العائلة في السياسة أو الانخراط في معارضة النظام. المدهش أن رحيل الابن جاء في اليوم ذاته الذي شهد رحيل صديقه في التنظيم محمود نور الدين.
ظلت صورة الابن تذكّر الجميع بوالده، يحملون صورهما في التظاهرات، تهتف الجماهير: «يا خالد قول لأبوك...» وفي ميدان التحرير تحديداً، وكانت الصورة واضحة في التظاهرات التي حدثت أمام السفارة، لهذا السبب كان يُستقبل خارج مصر استقبال الفاتحين.
في سوريا حملته الجماهير بالسيارة التي كان يركبها، وفي يوغوسلافيا، وفي لندن، حيث سافر لإعداد رسالة الدكتوراه في الهندسة، جرى الاحتفاء به. وكان خالد قد نزل إلى ميدان التحرير، وتحت ضغوط محبّيه أعلن أنه يفكر في العودة إلى العمل السياسي، وقد أسّس له البعض صفحة على موقع التواصل الاجتماعي يطالبونه بالترشح إلى رئاسة الجمهورية. ولكن في شهر رمضان الماضي تدهورت حالته الصحية، عقب إجرائه جراحة خطرة في الجهاز الهضمي في لندن، وأدت إلى فقدانه أكثر من 40 كيلو غراماً من وزنه. وقد فشل الأطباء بعد وصوله إلى القاهرة في السيطرة على الأجهزة الحيوية في جسمه، ما أدى إلى دخوله العناية المركزة منذ أسبوعين، إلى أن فارق الحياة أمس.. وستشيّع الجنازة اليوم الجمعة من مسجد جمال عبد الناصر في كوبري القبة.