غزة | لم يدم طويلاً الصمت المطبق لحركة «حماس» حول ما وصفته بأنه ليس إلا أفكاراً ومقترحات ينقلها الأوروبيون بين غزة وتل أبيب عبر «إيريز»؛ فبعد الكشف عن اللقاء الأول، ثم الثاني، بين رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، ورئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، خرج مع زيارة مشعل إلى تركيا الصوت عالياً في الصحف الإسرائيلية، قبل العربية، عن إمكانية حقيقية للتوصل إلى اتفاق بين «حماس» وإسرائيل عنوانه: فك الحصار والممر المائي، مقابل هدنة طويلة يجري التوقف فيها عن حفر الأنفاق الهجومية.


لعل هذا تحديداً ما كان يلمح إليه القيادي في الحركة إسماعيل هنية، من غزة، عن الانفراجات القريبة، لأن معبر رفح مع مصر لم يفتح بعد تلك التصريحات إلى الآن، وهو ما يؤكد أن الانفراج في مكان أبعد من رفح. وحتى أمس، تصدّرت صحيفة «معاريف» الحديث عن هذه الوساطة التي قام بها بلير بالاستناد إلى مصادر قطرية، قبل أن تضج وسائل الإعلام العربية بذلك.


مشعل أبلغ الرياض التي رحّبت بذلك، والقاهرة والسلطة على اطّلاع

وحاولت وسائل الإعلام الإسرائيلية الموازنة بين متابعة إضراب الأسير محمد علان والخشية من وفاته، وبين الحديث عن هذه الصفقة: «هدنة ما بين 7 إلى 10 سنوات مقابل تشغيل جزء من ميناء لارنكا القبرصي لأجل ممر مائي مؤداه إلى غزة تحت رقابة دولية، وبالتأكيد سيكون فيها مشاركة إسرائيلية، ولكن من دون السماح بإعادة بناء المطار». يحكى عن ذلك رغم أن كثيرين في غزة، من «حماس» وغيرها، ينفون أن يكون التفاهم وصل إلى هذا الحد، بل يؤكدون أن ما يجري لم يتعدّ حدود التفاهم على «الهدوء مقابل الهدوء»، مع أن وفداً فلسطينياً يضم رجال أعمال ــ بتوكيل من رئيس السلطة محمود عباس الذي يبدي ظاهرياً اعتراضه على هذه المفاوضات ــ موجود في الولايات المتحدة لبحث قضية الممر المائي، كما تسرّ مصادر لـ«الأخبار».
إذن، لم يعد مهماً حتى التدقيق في الحديث الإسرائيلي عن كون المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، بقدر التدقيق في التفاصيل التي قيل إن «الشياطين تكمن فيها»، في ظل عمل طوني بلير على هذه القضية، وخاصة أن كثيرين حذروا من أن جزءاً من الرقابة على المسافرين من غزة إلى قبرص (قبل توجههم إلى مقصدهم) سيكون إسرائيلياً. وممّا علمته مصادر في «حماس» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخذ وعداً من قبرص، خلال زيارته الأخيرة لها في الشهر الماضي، بأن يرسَل كوادر أمنية واستخبارية لمراقبة الميناء، ما يعني أصلاً وجود موافقة إسرائيلية على إقامة «طريق مائي» إلى غزة، وهذا يؤكد في الوقت نفسه ما أشيع عن المراقبة، فضلاً عن مساهمة قبرص في الاطلاع على أدق التفاصيل.
«حماس»، في المقابل، ستتعهد بوقف الزيادة في أنفاقها الهجومية ومواصلة التهدئة، كذلك ستقبل رقابة «حلف شمال الأطلسي» عبر قاعدة «إنجرليك» التركية، على أن التمويل سيكون قطرياً، وقد يصل إلى نصف مليار دولار. ونقلت مصادر حمساوية أن خالد مشعل أبلغ السعودية بهذه الخطوة، ولاقى ترحيباً من الرياض بهذا الخصوص، في ظل أن الدوحة المنهكة بالتفاصيل أبلغت دول الخليج استعدادها للتغطية المالية.
في الوقت نفسه، لم يكن الوسيط المصري في الحرب الأخيرة بعيداً عن المشهد، إذ تؤكد المصادر ذاتها أن محاضر الاجتماعات تصل إلى القاهرة من خلال طوني بلير أولاً، ثم ما ينقله الإسرائيليون إلى القاهرة. والجديد هو ما تكشفه المصادر التي قالت إن زيارة الوفد الألماني الأخيرة لغزة ــ ضمّت وزير الخارجية ونحو ستين مسؤولاً أوروبياً ــ كان فيها عدد من أعضاء «حلف الأطلسي»، وتفقدوا خلالها المكان الأنسب لإقامة ميناء غزة.
القيادي في «حماس»، أحمد يوسف، أكد أيضاً أن «مصر مطلعة على التفاهمات التي لا تزال مبدئية، ولكنها تسير بطريقة إيجابية على غير المعهود»، مضيفاً: «هناك تفاؤل حقيقي، وننتظر الوقت المناسب لإتمام ذلك». وعن معرفة السلطة الفلسطينية بهذه التفاصيل، قال يوسف: «بالتأكيد السلطة علمت بهذه التفاصيل، ولكن لا أستطيع تأكيد أنها علمت من حماس... بشأن زيارة قيادة حماس إلى تركيا فهي لأغراض مختلفة وليست لهذه القضية تحديداً».
وتأكيداً على أن الصمت الحمساوي في هذه القضية قد انتهى، فقد صرّحت الحركة، للمرة الأولى أمس، بتوسط بلير بينها وبين إسرائيل لإبرام تهدئة. وقال المتحدث الرسمي في غزة سامي أبو زهري، إن لقاءات عقدت بين الحركة وأطراف أوروبية ودولية وأخرى مع بلير بشأن التهدئة. كذلك ذكر أبو زهري أن الحركة عقدت في الأيام الأخيرة عدداً من اللقاءات القيادية مع عدد من الفصائل شملت «فتح والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديموقراطية والمبادرة الوطنية، كل على حدة، لإطلاعهم على نتائج هذه اللقاءات». وشدد المتحدث الرسمي على أن أي مقترح يُقدم للحركة سيجري عرضه على الفصائل.