دمشق | أيام صعبة عاشها السوريون خلال موجة الحر الأخيرة وفي مختلف المناطق، فتأثير الموجة على البلاد تزامن مع استهداف المسلحين خطوط نقل الغاز ومنشآته وسط البلاد، الأمر الذي أدى إلى إخراج جميع محطات توليد الطاقة الكهربائية في المنطقة الجنوبية من الخدمة، وتالياً زيادة ساعات تقنين التغذية بالطاقة الكهربائية لتصل إلى مستويات غير مسبوقة، حملت معها أضراراً كبيرة على المواطن والمنشآت الاقتصادية والخدمية.


ومع أن استهداف خطوط نقل الغاز ومنشآت المنظومة الكهربائية غدا حدثاً اعتيادياً في يوميات الحرب السورية، إلا أن الحادثة الأخيرة وضعت السوريين، مواطنين ومسؤولين، أمام واقع جديد من المعاناة والبحث عن بدائل مجدية لهذا «المسلسل»، الذي يبدو أنه مستمر طالما بقي صوت الرصاص هو السيد.
ووفق بيانات وزارة النفط والثروة المعدنية للنصف الأول من العام الحالي، تنتج سوريا نحو 15.6 مليون م3 من الغاز، تحصل وزارة الكهرباء منها على 85%، ووزارة النفط على 11%، ووزارة الصناعة على 4%، ورغم سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي على مدينة تدمر وتوقف حقولها عن الإنتاج منذ شهر أيار الماضي أو الأصح سرقة «داعش» للإنتاج، إلا أن ذلك لم يؤثر سوى على 3% من إجمالي ما تنتجه البلاد حالياً بحسب مصادر معنية في وزارة النفط، والتي تضيف في حديثها إلى «الأخبار» إن «المشكلة الرئيسية تكمن في استهداف شبكة خطوط نقل الغاز البالغ طولها نحو 2600 كلم، وعدم تمكن عمال الصيانة أحياناً من الوصول إلى أماكن التخريب لوجودها في مناطق خارج سيطرة الدولة أو الاعتداء عليهم وخطفهم»، كما يلجأ المسلحون أحياناً إلى إغلاق خطوط النقل بغية المفاوضة على سجناء أو الحصول على مبالغ مالية.
ما حدث أخيراً، وتسبب بخروج محطات توليد الكهرباء في المنطقة الجنوبية عن الخدمة، كان «تفجير خطوط نقل الغاز في منطقة القريتين في ريف حمص، التي استولى عليها أخيراً تنظيم داعش، وتزامن ذلك مع إطلاق وابل من القذائف الصاروخية على معمل غاز جنوب المنطقة الوسطى في منطقة الفرقلس، ما أدى إلى اشتعال وحدة إنتاج وخروج المعمل كاملاً من الخدمة لبعض الوقت لحين تمكن عمال الصيانة من إخماد الحريق، وإعادة تشغيل المعمل الذي ينتج نحو 5.3 ملايين م3 يومياً».
غالباً ما تكون عمليات تفجير خطوط نقل الغاز مستندة إلى معلومات تفصيلية عن هذه الخطوط والنتائج المتوقعة لإيقافها عن العمل، وهي معلومات نشرها في السابق عاملون «منشقون» حرضوا من خلالها المجموعات المسلحة على تفجير خطوط نقل الغاز وفق إحداثيات محددة لإلحاق أكبر ضرر ممكن بـ«النظام» حسب زعمهم، من قبيل قطع الكهرباء عن العاصمة أو الضغط على الحكومة للحصول على تغذية بالكهرباء لمناطق خاضعة لسيطرة المسلحين. وكما يشير الخبير في شؤون الطاقة، الدكتور زياد أيوب عربش، فإن استهداف خطوط نقل الغاز يرمي «طاقوياً واقتصادياً إلى الضغط على الشبكة وركائز الدولة لكونها لا تزال تقدم الخدمات»، مضيفاً في تصريحه لـ«الأخبار» إن «الغاز المحلي لا يلزمه قطع أجنبي، أما استخدام الفيول في توليد الطاقة الكهربائية، فهذا يحتاج إلى استيراد النفط الخام وتكريره أو استيراد المشتقات النفطية بما فيها الفيول، وتالياً هذا يحتاج إلى قطع أجنبي» أي إلى مزيد من الضغط على الحكومة.
وبذلك يمكن القول إنه بعد أربع سنوات من الحرب، تحولت خطوط نقل الغاز وشبكة توزيع الكهرباء إلى «ورقة ثمينة» تسعى المجموعات المسلحة على اختلاف مرجعياتها ومواقفها إلى محاولة «امتلاكها أو استثمارها».

البدائل الصعبة

لم يكن أمام وزارة الكهرباء من خيار لمواجهة الظلام الذي غرقت به محافظات المنطقة الجنوبية سوى اللجوء إلى محطات توليد المنطقة الوسطى، والذي يبدو أنه خيار لن يكون مؤقتاً، ولا سيما مع سيطرة تنظيم «داعش» على القريتين، فضلاً عن كونه ذا تكلفة مرتفعة.
في مكتبه المتواضع في وزارة الكهرباء، يحرص معاون وزير الكهرباء، نضال قرموشة، على أن يشرح لزائره بالورقة والقلم كيف أن خيار الاعتماد على محطات توليد المنطقة الوسطى مكلف للوزارة، والأهم أن تخفيض ساعات التقنين حالياً، وما يحتاجه ذلك من زيادة كميات الفيول المخصصة لمحطات التوليد ليس بالأمر السهل.
ويؤكد قرموشة أنه «نتيجة الاعتداء أخيراً على خطوط نقل الغاز، لم يعد بالإمكان تشغيل مجموعات الدارات المركبة ذات الكفاءة العالية والموضوعة في المنطقة الجنوبية من البلاد، ليكون البديل هو الاعتماد على تشغيل مجموعات بخارية في المنطقتين الوسطى والساحلية»، لكن ذلك يتسبب بخسارة يومية قدرها 7 ملايين كيلو واط ساعة، ناجمة عن 6 ملايين كيلو واط ساعة خسارة تشغيل محطات توليد أقل كفاءة، ومليون كيلو واط ساعة هي تقديرات الفاقد الكهربائي خلال عملية نقل الكهرباء على خطوط التوتر العالي من المنطقة الوسطى إلى الجنوبية، وهذه الخسارة تمثل ساعات التقنين الإضافية، التي اضطرت إليها الوزارة مع الهجوم الأخير على خطوط نقل الغاز.
تتعقد المشكلة أكثر مع مطالبات بتخفيض ساعات التقنين، المؤثرة سلباً على الحركة الإنتاجية للمعامل والمنشآت الاقتصادية والخدمية العامة والخاصة، إذ إن الخيار الوحيد المطروح في ظل الوضع الراهن يتمثل في زيادة الاعتماد على مادة الفيول في توليد الكهرباء، وهذا يتطلب تلقائياً زيادة كميات المادة المستوردة في ظل خروج الإنتاج النفطي عن سيطرة الحكومة... فماذا يعني ذلك بالأرقام؟
ببساطة شديدة، يوضح قرموشة الأمر بالقول: «إن العودة إلى نظام التقنين السابق المعمول به قبل حادثة الاعتداء الأخيرة، يتطلب استيراد نحو 1750 طن فيول لتعويض 7 ملايين كيلو واط ساعة تتم خسارتها حالياً جراء الوضع المشار إليه سابقاً، وكمية الفيول هذه تصل تكلفتها إلى نحو 700 ألف دولار يومياً» أي ما مقداره سنوياً نحو 250 مليون دولار.
ولا تقف تأثيرات الحرب عند هذا الحد، فبحسب مدير التخطيط والإحصاء في وزارة الكهرباء، الدكتور بسام درويش، فإن «عدم التوازن بأسعار حوامل الطاقة وغلاء المازوت والغاز المنزلي وعدم توفره في أغلب الأحيان اضطر المواطن إلى اللجوء للمصادر الأرخص والأكثر توفراً، عدا عن أن شراء المازوت والغاز يتطلب من المواطن الدفع مسبقاً، بينما استجرار الكهرباء هو لاحق الدفع، فالفاتورة عادة تأتي بعد أشهر من الاستهلاك وهي لا تزال مدعومة بنسبة كبيرة»، أي أن الضغط على الشبكة الكهربائية في تصاعد مستمر، وهو ما يجعلها عرضة لمواجهة مشاكل عديدة تبدأ بتحدي زيادة الإنتاج وفق ظروف الحرب الراهنة، ولا تنتهي مع الاستجرار غير المشروع والحمل الزائد للشبكة.
وهنا يجزم درويش بأنه «لا توجد دولة في العالم تعتمد كلياً على الكهرباء لأغراض التدفئة والطهو وتسخين المياه... وغير ذلك».