اللاذقية | «لماذا لا يوجد نياشين على بذلة الجندي؟» سؤال بريء يطرحه علي، الطفل ابن السنوات الثلاث، على أمّه، بعدما حدّق طويلاً، بإعجاب كبير، بالجنديّ الذي يتفحّص هويات ركّاب «السيرفيس». وحين أتاه الجواب من أمّه، بأنّ النياشين تمنح لمن يحقق بطولة في المعركة، صمت علي، دون اقتناع، فهو لم يفهم كيف لهذا الجندي الأسمر، المديد القامة، ببذلته المموّهة المهيبة، وسلاحه اللامع على كتفه، ألّا يكون قد أصبح بطلاً بعد. البذلة المموهة، التي يراها في كلّ مكان، بعدما ارتداها معظم رجال مدينته، اللاذقية، باتت حلماً لدى علي. إلى أن أدرك، أخيراً أنّ حلمه قابل للتحقق، حين رأى ابن الجيران يرتدي بذلة مموهة على مقاسه، مزينة بالرتب والنياشين، وهو يسير متفاخراً بها إلى جوار أبيه، المجنّد في صفوف «الدفاع الوطني». منذ تلك اللحظة، لم يتوقف علي عن مطالبة والدته ببذلة مماثلة.


إلى أن رضخت الأمّ لرغبته أخيراً، وابتاعت له بذلة عسكريّة، من إحدى البسطات الممتدّة على طول السوق الشعبيّ، في ساحة الشيخ ضاهر. وإضافة إلى البذلة، كان لا بدّ من الثيمة المكمّلة لهيئة الجنديّ، فحصل الطفل على رشّاش بلاستيكيّ يصدر صوتاً مرفقاً بالضوءين، الأخضر والأحمر، من إحدى البسطات الكثيرة المتخمة بالألعاب الحربيّة.
علي واحد من آلاف الأطفال السوريين المولودين في سنوات الحرب، والذين شكّلت الحرب، بكلّ تفاصيلها، مفردات وعيهم الأولى، فما عاد «سبايدر مان» ولا «سبونج بوب» قادرين على إشباع رغبته بحلم بات يقتصر على أن يكون جندياً يحقق الانتصار، ويغدو بطلاً. ورغم محاولات والدته أن تنأى بوحيدها عن أجواء الحرب والموت، عبر إشراكه بالعديد من النشاطات الفنية والثقافية، غير أنّ واقع الحرب كان الأقوى، والأكثر تأثيراً على الطفل الذي اضطر مراراً إلى الركض مع أمّه، هرباً من الموت، وبحثاً عن مكان آمن، بعد استهداف حيّهم، سقوبين، شرق اللاذقية، بالقذائف، حتى بات الطفل مدركاً، بغريزته الطفولية، أنّ البذلة العسكرية والسلاح هما رمز الأمان والقوة. «الحرب باتت حاضرة بمختلف تفاصيل الحياة اليومية. الحواجز في كل مكان. السلاح موجود في الشارع والسيرفيس والمطعم. البذلة العسكرية باتت زياً رائجاً. وأنا كأم لم أعد قادرة على أن أبعد ابني عن فكرة الحرب»، تقول والدة علي. وتضيف، في حديثها مع «الأخبار»: «ابني ولد في زمن الحرب، وسيوشم بتفاصيلها، كما جميع مواليدها.


أنا كأمّ لم أعد
قادرة على أن أبعد ابني عن فكرة الحرب
سيحتاجون إلى سنوات عديدة ليتحرروا من مشاهد الموت والدمار التي يعايشونها على الأرض، أو تصلهم عبر الفضائيات».
ارتدى علي بذلته المموهة، وبواسطة سلاحه البلاستيكي راح يصارع ألعابه القديمة «سبايدر مان» و«الدب بو» و«نقار الخشب» ليغدو عنصراً من المشهد العام المموّه في مدينة اللاذقية، المدينة الساحلية التي جند معظم أبنائها في صفوف الجيش السوري، و«الدفاع الوطني» و«صقور الصحراء»، إضافة إلى «دخلاء» يرتدون البزّات المموّهة بوصفها «موضة»، معلنين بذلك ولاءهم للجيش. ولا يقتصر المشهد على هؤلاء، بل أيضاً على أعضاء المجموعات التطوعية الناشطة في دعم الجيش وعوائل الشهداء والمهجرين، ليكتمل المشهد باجتياح البذلات المموّهة مواقع التواصل الاجتماعي، عبر من يحرصون على التقاط الصور بالبذلة العسكرية، وبرفقة السلاح، من دون أن يكونوا من المشاركين في القتال، ما يثير استياءً عامّاً لدى من يعتبرون أنّ للباس العسكريّ قدسيته، وأنّ عليه أن يكون حكراً على من يدافع عن بلاده، رافضين أن يصبح ديكوراً ملائماً لجلسات تصوير.