مع انطلاق مشاورات مجلس الأمن لبحث طلب عضوية الدولة الفلسطينية، تواجه المبادرة الفلسطينية للحصول على الاعتراف من الأمم المتحدة معركة ضارية. وفيما تسعى السلطة الفلسطينية إلى الحصول على الأصوات التسعة اللازمة للموافقة على طلبها، تعوّل الولايات المتحدة على فشل هذه الجهود لتجنب حرج اضطرارها لاستخدام حق النقض (الفيتو) ضد الطلب الذي سيمثّل ضربة أخرى لمساعيها المتعثرة للتوصل إلى سلام في الشرق الأوسط.


ويقول دبلوماسيون إن الفلسطينيين لديهم ستة أصوات مؤكدة فقط في مجلس الأمن، هي: مجموعة دول بريكس، التي تضم الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، إلى جانب لبنان وهو من خارج المجموعة، مشيرين إلى أنه «إذا أجري اقتراع اليوم، فإن الفلسطينيين لن يكون لديهم ما يكفي من الأصوات ولن يحتاج الأميركيون حتى إلى استخدام حق النقض»، وهو ما أكده وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي بقوله إن وفده يفتقر إلى الدعم الكافي في اللحظة الراهنة لاستصدار قرار بشأن الدولة الفلسطينية والعضوية في الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن. لكنه أكد في الوقت نفسه أنه يأمل استمالة دول مثل الغابون ونيجيريا والبوسنة إلى الجانب الفلسطيني، بينما الدول الثلاث التي تمسك بالميزان لم تفصح حتى اللحظة عما إذا كانت ستصوت لمصلحة العضوية الفلسطينية في الأمم المتحدة.
وفي السياق، تبذل مساعٍ لتأخير بتّ طلب العضوية في مجلس الأمن، على الرغم من أنه في الظروف المعتادة لا يستغرق المجلس أكثر من 35 يوماً لمراجعة طلب العضوية وتقويمه، في خطوة تعتقد الدول الأعضاء في اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة) أنه يمكن استغلالها لممارسة الضغوط على كلا الجانبين للعودة إلى طاولة المفاوضات، وذلك بعدما حثت اللجنة الجانبين على العودة إلى طاولة المفاوضات. إلا أن هذه الجهود من غير المتوقع أن تثمر حلاً قريباً، ولا سيما بعدما كشف عن أن الجهود الدبلوماسية لوضع مسودة بيان أساسي لإحياء محادثات السلام في الشرق الأوسط دخلت نفقاً مظلماً بسبب قضية يهودية دولة إسرائيل وطريقة طرحها. وقال مصدر مطلع على المفاوضات إنه «رغم أن بيان الرباعية صاغته روسيا والولايات المتحدة، إلا أنه كشف عن الفجوة بين الحد الأقصى للتنازلات التي يمكن نتنياهو تقديمها والحد الأدنى للمتطلبات التي سيقبلها أبو مازن... ربما».
ورغم الفشل في سد الفجوات بين الطرفين، «كان هناك توافق على أنه يجب علينا ألا نترك هذين الطرفين بدون أي شيء، وأنه يجب علينا فعل شيء»، ولذلك تحول البحث إلى إصدار بيان يركز على العملية لا على الفحوى ويضع إطاراً زمنياً للطرفين ليحاولا فيه تسوية الخلافات بينهما. وقال دبلوماسي إنه رغم أن معظم المصادر تقول إن العقبة الأساسية هي ما إذا كان يمكن الإشارة إلى إسرائيل على أنها دولة يهودية، فإن حدود الـ67 وتبادل الأراضي ومسألة المستوطنات اليهودية كلها أمور «صعبة بالقدر نفسه».
في هذه الأثناء، يحاول كل من الفلسطينيين والإسرائيليين تحميل الطرف الآخر مسؤولية عرقلة استئناف المفاوضات، مرسلين إشارات متناقضة بشأن رغبتهم في الحل.
فلسطينياً، بعد تأكيد أبو مازن معارضته لصيغة استئناف المفاوضات التي عرضتها الرباعية الدولية لأنه ليس فيها طلب وقف البناء في المستوطنات والاعتراف بحدود 67، وتأكيد المفاوضة الفلسطينية حنان عشراوي لبرنامج «ذيس ويك» على قناة «إيه بي سي» أن «الاستمرار في التفاوض يعطي إسرائيل مهلة إضافية لفرض أحكام أحادية وبناء المزيد من المستوطنات والاستيلاء على المزيد من الأراضي»، قال مسؤولون فلسطينيون أمس إن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفتح ستبحث تفاصيل الاقتراح الأربعاء. وأضافوا أنه «بالتأكيد يحتمل أن تقرر القيادة الفلسطينية استئناف المفاوضات حسب صيغة الرباعية كي لا تستخدم إسرائيل ذريعة أن الفلسطينيين هم رافضو السلام».
في المقابل، أكد رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة، إسماعيل هنية، أن حركة «حماس» «تؤيد إقامة الدولة الفلسطينية شرط عدم الاعتراف بإسرائيل أو التنازل عن أي شبر من فلسطين، مشدداً في الوقت نفسه على أن «الدولة الفلسطينية لا تقام بالقرارات الأممية ولا تقام عبر المناورات ولا عبر المساومات، بل من خلال الصمود والثبات والمقاومة».
أما في الدولة العبرية، فأكد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، ضرورة استئناف المفاوضات، مشدداً على أن نظيره الفلسطيني هو «الرئيس الأفضل الذي بإمكاننا أن نحصل عليه». وأضاف: «إنني أدعو عباس، رئيس الفلسطينيين، الذي أكن له الاحترام والود، تعال نبدأ محادثات بانفتاح وهدوء حتى لو كانت هناك خلافات وانتقادات، دعنا نبدأ». وحذر بيريز خلال الحفل الذي حضره سفراء أجانب لدى إسرائيل، من أن «الواقع في منطقتنا لم يكن قط خطيراً إلى هذا الحد»، مؤكداً أن «على إسرائيل والفلسطينيين العودة إلى المفاوضات».
من جهته، رأى نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون، أن الوفد الإسرائيلي إلى الأمم المتحدة الأسبوع الماضي حقق «نجاحاً سياسياً».
وأضاف: «نحن بانتظار مفاوضات من دون شروط مسبقة (مثل تجميد الاستيطان) ومواقفنا معروفة ولم تتغير والنجاح السياسي الذي حققناه في الجمعية العامة للأمم المتحدة ينعكس بتبدد أقوال أولئك الذين وصفوا أيلول بأنه تسونامي سياسي وانهيار لإسرائيل»، في إشارة إلى وصف وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك للمسعى الفلسطيني في الأمم المتحدة.
وتابع أيالون أنه «إذا اعتقد الفلسطينيون أنهم قادرون على إقامة دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فليكن هنيئاً لهم، لكن لا شيء سيتغير على الأرض من دون مصالحة تاريخية، ليس بين الزعماء والحكومات فقط، بل بين الشعبين».
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز، أب)