تسارعت الأحداث والأنباء السورية، الميدانية منها والسياسية، أمس؛ فعلى وقع أنباء كذبتها السلطات عن تدخُّل الطائرات العسكرية في معارك مدينة الرستن في حمص، جاء الحدث موقَّعاً باسم السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد الذي أتى دوره ليتعرّض لهجوم بالبيض والبندورة والحجارة لدى دخوله مكتب المعارض حسن عبد العظيم في دمشق. واستبقت دمشق أيّ رد فعل غاضب من واشنطن، لتشنّ حملة تتهم الإدارة الأميركية بالمسؤولية عن تحريض جماعات على ارتكاب أعمال عنف. بالتزامن مع ذلك، كشفت مصادر عن ضغط مارسته تركيا على القيادة السورية قبل فترة بهدف إشراك وفد من الإخوان المسلمين السوريين في الحكومة لإسكات الانتفاضة الشعبية.

وأعلنت وزارة الخارجية السورية أنها عملت على ضمان خروج آمن للسفير فورد، بعد محاصرته من قبل محتجين لأكثر من 3 ساعات داخل مكتب عبد العظيم في شارع النصر وسط العاصمة. وقالت الوزارة، في بيان، إن «السفارة الأميركية أعلمت وزارة الخارجية والمغتربين صباحاً أن السفير الأميركي روبرت فورد، أثناء قيامه بزيارة لمكتب المحامي حسن عبد العظيم، تعرّض لتظاهرة من عدد من السوريين الذين احتجّوا على السفير وتحركاته». وأضاف البيان أن وزارة الخارجية «فور علمها بذلك، بادرت إلى الاتصال بالجهات المعنية التي قامت باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية السفير وفريقه وتأمين عودتهم إلى مقر عملهم». ونجحت قوات الأمن السورية في تفريق عشرات المحتجين الذي رشقوا السفير الأميركي بالحجارة والبيض والبندورة لدى وصوله إلى مكتب عبد العظيم. وقال المعارِض المذكور لوكالة «يونايتد برس إنترناشونال» إن «عشرات المحتجين تجمعوا أمام المكتب، ولدى وصول السفير فورد وسكرتيرته للشؤون السياسية، تعرضا للرشق بالبندورة وأصيبت سكرتيرته، ثم دخل السفير المكتب وجرى إغلاق الأبواب التي حاول المحتجون الدخول» من خلالها. وكان موقع «محطة أخبار سوريا» الإلكتروني الخاص قد نقل عن شهود أن السفير فورد «تعرّض للضرب من قبل بعض الشباب».
في غضون ذلك، اتهم «مصدر سوري مسؤول» الولايات المتحدة بالتورط على نحو «واضح في تشجيع الجماعات المسلحة على ممارسة العنف ضد الجيش السوري». ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» عن المصدر في وزارة الخارجية تأكيده أن «التصريحات الأخيرة الصادرة عن المسؤولين الأميركيين، بما في ذلك ما قاله نائب الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية مارك تونر في 26 من الشهر الجاري في تأييد استخدام الجماعات الإرهابية المسلحة العنف ضد قوات الجيش السوري، تدل بوضوح على أن الولايات المتحدة متورطة في تشجيع الجماعات المسلحة على ممارسة العنف ضد الجيش». وفي إطار الضغوط الخارجية على دمشق، كشف مسؤولون سوريون ودبلوماسيون لوكالة «فرانس برس» أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان اقترح الصيف الماضي على الرئيس السوري بشار الأسد تأليف حكومة يكون فيها ربع الوزراء أو ثلثهم من الإخوان المسلمين، في مقابل التزامهم باستخدام نفوذهم لوضع حدّ لحركة التمرد التي تهزّ البلاد»، بحسب دبلوماسي غربي أكد أن «الرئيس السوري رفض ذلك الاقتراح». ولفت الدبلوماسي إلى أن «الأتراك اقترحوا أول الأمر أن يتولى الإخوان المسلمون أربع وزارت كبيرة بذريعة أنهم يمثّلون طيفاً من الأطياف السياسية في البلاد». وفي السياق، أكّد مسؤول سوري مطّلع أن وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو اقترح، في التاسع من آب الماضي خلال محادثاته الشهيرة مع الأسد، «عودة الإخوان المسلمين إلى سوريا»، فردّ عليه بالقول بأنه «يمكنهم العودة كأشخاص، لكن ليس كحزب». ورداً على سؤال عن مشاركة الإخوان المسلمين في الحكومة السورية، أجاب مصدر في وزارة الخارجية التركية: «إنها المرة الأولى التي أسمع فيها بهذا، لكننا دائماً نقول للحكومة السورية إنكم إذا لم تتقاسموا السلطة عبر الانتخابات، وإذا لم تقوموا بإصلاحات، فإن الأمور ستصبح صعبة بالنسبة إليكم».
ميدانياً، شهدت الأوضاع في محافظة حمص المزيد من التأزم مع تحدث مصادر إعلامية ومعارضة عن غارات للجيش السوري على مدينة الرستن، حيث سقط امس 7 قتلى. وتشهد المدينة منذ أيام اشتباكات مسلحة بين الجيش النظامي ومنشقين عنه يبلغ عددهم نحو ألف عنصر، بحسب وكالة «رويترز»، وهو ما أدّى إلى مقتل «ما لا يقل عن 27 شخصاً خلال الأيام الثلاثة الماضية»، وفق «لجان التنسيق المحلية». غير أن التلفزيون السوري نقل عن مصدر عسكري تأكيده أن «ما نقلته بعض الفضائيات عن قيام طائرات حربية بالإغارة على مدينة الرستن عار من الصحة تماماً».
كل ذلك مع استمرار القصف المدفعي على باقي أحياء مدينتي حمص وإدلب، حيث أفادت «سانا» بمقتل الطفل محمد عبد العزيز دحروج برصاص «مجموعة إرهابية مسلحة»، إضافة إلى «استشهاد 3 من قوات حفظ النظام في كمين في تلكلخ».
تطورات واكبتها حركة معارضة نشيطة، مع كشف المعارض البارز ميشال كيلو أنه ومعارضي الداخل الذين ينضوون تحت لواء «اللجنة الوطنية للتغيير الديموقراطي»، لا ينوون الانضمام إلى «المجلس الوطني السوري» الذي أعلن تأسيسه في إسطنبول أخيراً، لأن هذه الهيئة «منفتحة على فكرة التدخل الأجنبي، ولأنه إذا قبلت فكرة التدخل الأجنبي، فسنذهب باتجاه سوريا موالية لأميركا وليس باتجاه دولة حرة، وتتمتع بالسيادة. كذلك فإن طلب تدخل أجنبي سيفاقم المشكلة، لأن سوريا ستدخل في عنف مسلح، والطائفية، ونحن في الداخل نعارض ذلك». غير أن ذلك لم يمنع «المجلس الوطني السوري» من إعلان عقد اجتماع مغلق مع عدة أحزاب مهمة وشخصيات في إسطنبول «لتحديد تشكيلة الهيئات القيادية للمجلس المعارض»، وفق المتحدثة باسم المجلس، بسمة قضماني. وقالت قضماني إن «الإخوان المسلمين و«إعلان دمشق» وشخصيات مثل برهان غليون وتشكيلات كردية ومستقلين وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديموقراطي في الداخل، تجري مناقشات تمهيدية في جلسة مغلقة في إسطنبول بهدف تحديد التشكيلة الكاملة وهيئات قيادة المجلس الوطني السوري». تجدر الإشارة إلى أن هذه المناقشات تستبق انعقاد اجتماع رسمي لـ«المجلس الوطني السوري» يومي غد (السبت) وبعد غد (الأحد).
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)