فاجأ وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، مضيفيه الروس بالعودة إلى المربع الأول من البحث في الأزمة السورية، فأعلن أنه لا مكان للرئيس بشار الأسد في الحل.

تصريح يأتي خارج السياق؛ فلا حل في سوريا من دون حوار مع نظام موجود قوي يلتف حول الأسد، ولا يوجد بديل رئاسي باعتراف الأميركيين. وفي الواقع إن قضية رئاسة الأسد أصبحت وراء ظهر جميع الأطراف. أكثر ما هو مطروح للتفاوض تقصير الفترة الرئاسية، وإجراء انتخابات مبكرة.

خلال شهر تموز المنصرم، حدثت اختراقات جدية على مسار الحل. فجأة، جاءت تصريحات الجبير، المضادة، فأغضبت وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حتى خرج عن المألوف. ألقى بقلمه على الطاولة، وتمتم غاضباً بالروسية. هل قال حقاً: «أيها العاهر الغبي»؟
ثلاثة عوامل قد تكون مجتمعة أو منفردة، وراء تصريحات الجبير العدائية التي أزعجت الروس، ووتّرت أجواء اللقاء بين الجبير ولافروف:
العامل الأول يتعلق بالخلافات داخل العائلة المالكة؛ فمن المعروف أن مهندس الاختراقات في العلاقات السعودية ــ الروسية هو ولي ولي العهد، وزير الدفاع، محمد بن سلمان. ومن الواضح أنه اندفع في الترتيبات والوعود خارج الإجماع السعودي. وبن سلمان يتحرك نحو وراثة المُلك، وهو يجمع الأوراق المحلية والاقليمية والدولية، لكي يحل ملكاً محل أبيه، بينما يعترضه ولي العهد محمد بن نايف، وآخرون، ما ألهب نقاشاً حول تعهدات بن سلمان، جرى تجميدها بإعلان الجبير التراجع في ما يخص حل الملف السوري بالتعاون مع الرئيس الأسد.
العامل الثاني يتعلق بتركيا التي لم تتحرك قيد أنملة باتجاه التفاهم على الحل السوري، ما جعل السعوديين يعتقدون أنهم تقدموا أكثر مما يجب، وأنه، من خلال التفاهم مع الأتراك، يمكنهم تحصيل ما هو أفضل.
العامل الثالث يتعلق بالمكاسب العسكرية السعودية في اليمن.
لكن الحقائق التي دفعت المملكة نحو تحسين علاقاتها مع موسكو، لا تزال قائمة وحاكمة، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أنه يمكن تجزئتها؛ فهي، عند الروس، وموضوعياً، تشكّل سلة واحدة:
أولاً، المصلحة المشتركة في ضبط أسعار النفط، ومواجهة تحدي شركات النفط المستخرج من الصخر الزيتي. وهذه تحتاج إلى تعاون روسي ــ سعودي مكثف، لا يمكن أن يكون خارج التفاهمات السياسية، وذلك لارتباطه بمناقشات ومقاومة ضغوط أميركية، وإعادة ترتيب العلاقة النفطية مع إيران... الخ.
ثانياً، هناك فارق نوعي بين الوضعين التركي والسعودي في ما يتصل بسوريا؛ لا تمسّ الحرب السورية المملكة مباشرة، إلا من زاوية التهديد الذي تمثله داعش، ما يجعل الاقتراح الروسي بالتفاهم والتحالف مع سوريا ضد داعش هو الاقتراح الأنسب للمملكة، بينما تواجه تركيا التحدي الكردي المتعدد الأوجه. وهي تعاني من مشاكل خارجية وداخلية، أمنية وسياسية، تمنعها من الانخراط في حل. وهذه نقطة ضعف تركية، في مواجهة نقطة قوة سعودية.
ثالثاً، الانجازات العسكرية السعودية في اليمن لا تعدو أن تكون مزيداً من التورّط. لن يتم الحسم السياسي بالقوة، وستتواصل حرب استنزافٍ هي ميدان الحوثيين الأفضل عسكرياً. الورطة السعودية في اليمن تتعمق، ومن دون حل سياسي سوف تستهلكُ اليمن قدرات المملكة، العسكرية والمالية.
لا غنى للرياض وموسكو عن بناء علاقات ثنائية وثيقة في المرحلة المقبلة. فبإضافة إلى ملف أسعار النفط، وتحدي نفط الصخر الزيتي، هناك ملفات أساسية، منها حاجة المملكة الى السلاح الروسي، والتعاون في بناء مفاعلات نووية، وتأمين مظلة حماية نحو «التمدد الإيراني»، والتوصل إلى حل في اليمن. وبالنسبة إلى الروس، فإضافة إلى أن هذه الملفات التي تعكس، أيضاً، مصالحهم الخاصة، هناك ملف الإرهاب. تريد موسكو، من خلال علاقاتها بالسعودية، تأمين أراضيها من المنظمات الارهابية التي تحركها السعودية، لكن وقف الحرب على سوريا، وتصفية المنظمات الارهابية في هذا البلد، هما قضية أمن قومي للروس أيضاً، إضافة الى العلاقات التحالفية مع سوريا، والاستثمارات النفطية، وميناء طرطوس الخ.
في الخلاصة، لا يمكن للعلاقات السعودية ــ الروسية أن تتطور من دون حل الملف السوري، ولا حل لهذا الملف، موضوعياً، إلا تحت سقف الرئيس بشار الأسد، ما يجعل تصريحات الجبير طلقة في الفراغ.