أثارت المعطيات التي نشرت في إسرائيل عشيّة السنة العبرية الجديدة، وبدأت يوم الجمعة الماضي، عاكسةً مزاجاً عاماً متفائلاً، علامات استفهام حول الاعتبارات التي تحكم طبيعة الموقف النفسي والاجتماعي للإسرائيلي العادي عند مقاربته الوضع العام في إسرائيل. وتنبع علامات الاستفهام، التي تلامس حد الدهشة عند بعض الخبراء، من حقيقة أن الظروف العامة السياسية والأمنية والاستراتيجية المحدقة بإسرائيل، الدولة والمجتمع


، ينبغي أن تعكس مزاجاً سوداوياً على نحو خاص، وجمهوراً مليئاً بالمخاوف والقلق، ذلك أن الفترة الحالية هي بالنسبة إلى إسرائيل فترة جمود سياسي، وعزلة دولية وثورات في الدول المجاورة، نهايتها غير معروفة، وهي تطورات تحصل في ظل استمرار التهديد النووي الإيراني وتزايده، مصحوباً بالتحديات التي تلف إسرائيل من الشمال عبر حزب الله وسوريا، ومن الجنوب عبر حركة «حماس» وفصائل المقاومة في قطاع غزة.
ويتوقف عدد من المعلقين في إسرائيل عند هذه التطورات، ليعتبروا أنها إذا ما أُضيفت إلى جملة من القضايا الداخلية التي شهدها المجتمع الإسرائيلي خلال السنة العبرية المنصرمة، ولا سيما الحريق في الكرمل، ومحاكمة رئيس الدولة السابق موشيه كاتساف وتجريمه بتهم أخلاقية، وقضية «وثيقة هرباز» التي عصفت بالجيش الإسرائيلي وما رافقها من ملابسات بشأن تعيين رئيس جديد لهيئة الأركان العامة، وإضرابات الأطباء الطويلة والعنف المتفشي، واحتجاجات الصيف الطويلة ضد غلاء المعيشة، وتوجه الفلسطينيين الى الأمم المتحدة للاعتراف بدولتهم من طرف واحد، وعشرات القضايا الأخرى التي شغلت الانتباه العام في إسرائيل، فلا يمكنها في دولة عادية إلا أن ترسم صورة متشائمة وكئيبة عن المزاج العام.
المفارقة تكمن إذاً في ذلك التناقض الذي أظهرته استطلاعات الرأي التي أُجريت في إسرائيل لمناسبة انتهاء السنة العبرية، بغية الوقوف على مستوى رضى الجمهور الإسرائيلي من الوضع العام وتحديد مزاجه، والذي تمثل على نحو خاص في الفجوة التي عكستها الاستطلاعات بين أغلبية إسرائيلية تشعر بالتفاؤل والرضى عن العيش في إسرائيل، وعن أوضاعها الاقتصادية والشخصية، مقابل أغلبية تعتقد بأنه لا احتمال للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين، فيما يعيش نصف الإسرائيليين اليهود تقريباً مع شعور بتهديد وجودي «للدولة»، ومع تقديرهم بأن الوضع الأمني غير جيد عموماً.
وبالاستناد إلى لغة الأرقام، أظهر استطلاع لآراء الإسرائيليين اليهود، أجرته خبيرة الاستطلاعات العام في إسرائيل مينا تسيمح، على عينة مماثلة من السكان اليهود في إسرائيل، ونشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن الجمهور الإسرائيلي في مزاج عام حسن، بل حسن جداً. فـ 88 في المئة من الجمهور يرون إسرائيل مكاناً يطيب العيش فيه، وهناك عدد لا يستهان بها تبلغ نسبته 41 في المائة يعتقد بأنها ستكون في المستقبل مكاناً أفضل كثيراً.
غير أن ما «يدهش»، بحسب سيما كدمون في «يديعوت أحرونوت»، «هو أننا حينما نرى باقي معطيات الاستطلاع، لا نفهم من أين جاء هذا المزاج العام. كيف ينجح شعب فقد كل أمل بالسلام في أن يحافظ على روح معنوية مرتفعة... لأن استطلاع الرأي يبيّن مع كل هذه الروح المعنوية الجيدة أن 66 في المئة من الجمهور اليهودي عموماً لا يؤمنون بأنه سيكون هناك سلام مع الفلسطينيين أبداً». وهناك معطى آخر، ترى خبيرة الاستطلاعات مينا تسيمح، أنه يجب أن يقلق وأن يفاجئ وهو نسبة الإسرائيليين الذين يعتقدون بأن «دولة إسرائيل في خطر وجودي»، فقد اعترف 45 في المئة من جملة المستطلعة آراؤهم بأن لديهم مخاوف على استمرار وجود الدولة العبرية.
وبالنسبة إلى التقديرات المتعلقة بالوضع الأمني، يقول 41 في المئة: في الحقيقة إن الوضع الأمني غير جيد، ويشير الاستطلاع أيضاً الى اتجاه سلبي في تقدير الوضع الأمني لدولة إسرائيل: فـ 26 في المئة يعتقدون بأن الوضع اليوم أسوأ مما كان في السنة الماضية، ويعتقد 24 في المئة أنه سيسوء أكثر.
وفي محاولتها تفسير سبب شعور الإسرائيليين بالرضى، على الرغم من وضعهم السيء، تقول تسيمح إن «المزاج العام الشخصي للناس ينبع في الأساس من عوامل متصلة بحياتهم الشخصية لا بالدولة». وتضيف إن «الناس منطوون على أنفسهم. ونحن نفرق تفريقاً واضحاً، باعتبار ذلك نظام دفاع، بين حياتنا الشخصية وما يحدث في الدولة. نحن على علم تام بما يحدث هنا، لكننا لا ندعه يؤثر فينا وإلا ما استطعنا العيش هنا. وربما ينبع المزاج العام الجيد من أن المواطن الإسرائيلي ينظر الى دول أخرى حوله. وعندما يجري موازنة تبدو الأمور أقل فظاعة».