الجزائر | مرّة جديدة، وبينما تنشغل أحزاب الموالاة وأحزاب «المعارضة»، بأغلبية إخوانية، بقضية إدخال اللهجة العامية إلى مراحل التعليم الابتدائي، وبينما تعقُد الصحف، المموّلة غالباً من أطراف قريبة من هذه «المعارضة»، ندوات حول هذا الموضوع، وسط صمت حكومي، خرجت رئيسة «حزب العمال» لويزة حنون، مُساندة وزيرة التربية والتعليم نورية بن غبريط، وقراراتها، واصفة إياها، في منشور صدر بعد اجتماع للمكتب السياسي للحزب، بأنّها تتمتع «بالكفاءة وشجاعة الطرح»، وأنّ من الواجب مساندة ما نتج من «الندوة الوطنية حول تقييم مدى إصلاح المدارس»، لأنّ المدرسة الجزائرية في حال سيئة، ويجب أن تخضع لإصلاحات فورية، وجذرية.


وفي الوقت نفسه، تساءلت حول صمت الحكومة التي تركت الوزيرة عُرضةً للتخوين والقذف من قِبل «أوصياء العربية والإسلام»، كما أوردت جريدة الشروق.
لويزة حنون، المرأة الأبرز في الساحة السياسية الجزائرية منذ سنوات، ربما لم يعُد لرأيها الوزن نفسه، بحسب المتتبعين، لأنها قبلت المشاركة في لعبة السلطة، مرشّحة في كل الانتخابات الرئاسية السابقة من جهة، ومدافعة عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من جهة أخرى، ليصل الأمر الى ذروته بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في نيسان ــ أبريل 2014، حين خرجت تدافع عن صحة الرئيس وقوته العقلية، هي المُعارضة «التروتسكية». وعلى الرغم من هذا التناقض في المواقف والتصريحات، الذي لم يسلم منه أحد في الساحة السياسية الجزائرية، إلاّ أن تدخّلات لويزة حنون قد تكون أكثر عقلانية من تدخّلات وتصريحات نظرائها في دكّة المعارضة. كذلك، فإنّ المنشور لم يذهب بعيداً في ما يخص قضية العاميّة، والتي جعلت منها، بعض الأطراف، شغلها الشاغل، بل وأشار الى خطورة تصريحات وزير النقل، الذي قال إن «الدولة ستتوقف عن الاستثمار في المؤسسة الوطنية للنقل بالقطارات»، وكيف أنّه سيتم تحويل المؤسسة من مؤسسة عامة الى مؤسسة مساهمة، وحول محاولات خصخصة القطاعات العامة في البلاد، بالقول: «إن الثغرات المالية فيها أكبر من أن يتم سدّها»، متسائلة، في منشورها، إن كانت الحكومة ستبقى صامتة إزاء هذه الأوضاع؟ وكيف سيتم إعداد الرأي العام لقرارات كهذه؟ مشبّهة وزير النقل الحالي، بوجمعة طلعي، بوزير الطاقة السابق شكيب خليل، المتهم الأول في «قضية سوناطراك».
لقد وجدت حنون نفسها، منذ أشهر، عرضة لانتقادات أمين عام حزب «الأفالان» عمار سعداني، الذي تحدّث باسم «السلطة»، متّهماً حزبها «حزب العمال» بأنه: «تروتسكي بعيد عن توجهات وقيم الشعب الجزائري»، وذلك لجرأتها على انتقاد ممارسات السلطة، وفتح حزبها النار على الوزراء الجدد في الحكومة، مشيراً إلى أن التعيينات الوزارية الأخيرة، التي مسّت قطاعات مثل النقل والتجارة، تصُبّ في مصلحة جماعات المال القريبة من السلطة، أو «الأوليغارشيا»، كما تصفهم لويزة حنون، وقد حذّرت من جهودهم في محاولة فتح السوق الجزائرية، والضغط لتمرير بعض القوانين في ما يخص الاستثمارات. كذلك تعرّض وزيرا الثقافة والبريد وتكنولوجيات الاتصال، عز الدين ميهوبي وهدى إيمان فرعون، على التوالي، للنقد بسبب رغبة الأول في فتح الباب للاستثمارات الثقافية من الخارج، في ما يخص المسارح والمكتبات، والثانية لرغبتها، أيضاً، في فتح القطاع لمستثمرين خاصين، وهو ما يهدّد سيادية المؤسسات العمومية.
خلاصة المنشور الذي نتج من اجتماع المكتب السياسي للحزب، هو أن التعديلات الوزارية والقرارات الأخيرة، كلّها، تصب في مصلحة جماعات المال والضغط، فتمكنهم وتسمح لهم بتدمير المؤسسات العمومية. هكذا يكون «حزب العمال»، وعلى رأسه لويزة حنون، يلعب في منطقة وسطى، بين السلطة وبقية أحزاب المعارضة، مُنصّباً نفسه الحامي الوحيد للقطاعات العمومية، والعمال. لكن ضعف الهيئات النقابية في الجزائر، والعمل النقابي بشكل عام، لا يُساعد على المضي قُدماً في مواقف كهذه، خاصة أن بقية الأحزاب، من معارضة وموالاة، قد رمت هذه القضايا وراء ظهرها، لتنشغل بسجالات حول القُرب والبُعد من السُلطة.