دمشق | يقود الشاب سيارته مع زوجته ليوصلها إلى عملها. فجأة، ينهمر الرصاص كالمطر فوقهما. يصاب هو بطلقة، فيندفع بجنون ليبتعد بعروسه قدر المستطاع، قبل أن يطلب منها الهرب خشية أن يجدها من كان يستهدفه بالنار. تركض الفتاة وتستغيث، يصل عدد من عناصر الأمن ليجدوا الشاب قد فارق الحياة. ليست هذه السطور مشهداً من فيلم هوليوودي، بل هي حكاية اغتيال مهندس نووي في قلب سوريا. وبطريقة مشابهة يسقط في المكان نفسه أستاذان في الجامعة وطبيب.

هل عاد زمن الاغتيالات؟ سؤال بات يتكرر على ألسنة السوريين، بعدما فقدت البلاد في أسبوع واحد أربعة من الشخصيات العلمية بطريقة لم ينسها من عاش حقبة الثمانينيات المؤلمة، أيام الصراع مع الإخوان المسلمين. هكذا سقط في حمص المهندس النووي الشاب أوس عبد الكريم بإطلاق نار كثيف على سيارته، وسبقه في المصير نفسه الدكتور حسن عيد، رئيس قسم جراحة الصدر في المشفى الوطني، وكذلك الأستاذ الجامعي محمد علي عقيل، نائب عميد كلية الهندسة المعمارية، وقبلهم الدكتور نائل الدخيل، نائب رئيس قسم الكيمياء في جامعة البعث في حمص، والأخير يحمل رتبة عميد ركن في الجيش. وجاء مقتل نجل مفتي الجمهورية، سارية أحمد بدر الدين حسون، على طريق إدلب ـــــ حلب ليؤكد للسوريين أن الانتفاضة ربما دخلت في مرحلة جديدة مختلفة تعيد إلى الأذهان مرحلة الثمانينيات، التي كانت حافلة بالاغتيالات في إطار صراع النظام مع حركة الإخوان المسلمين.
وفيما كانت الاغتيالات في تلك الفترة واضحة المعالم، أو على الأقل كان الاتهام فيها لا لبس فيه، وخصوصاً في ظل غياب وسائل الاتصال الموجودة حالياً التي تتيح النفي أو التأكيد، إلا أن ما تشهده بعض المناطق السورية في الفترة الحالية لا يزال خاضعاً للكثير من التأويلات، التي قد لا تسهم في حسم هويّة منفذي مثل هذه العمليات، وإن قوبلت ببعض الترحيب من أشخاص يصنّفون أنفسهم في خانة المعارضين للنظام.
تبادل الاتهامات بين النظام ومعارضيه هو السمة التي ترافقت مع الاغتيالات التي شهدتها الأيام الماضية، وخصوصاً مع لجوء كل طرف إلى نسب الضحية إلى معسكره. النظام حمّل «الجماعات المسلحة»، على حد وصفه، المسؤولية التامة عن اغتيال الكوادر العلمية في البلاد، وأعلن إلقاء القبض على من قتل الدكتور حسن عيد، عارضاً اعترافات «المجرم» على التلفزيون الرسمي، في تكرار لمسلسل الاعترافات الذي دأب التلفزيون على بثه منذ بدء الأزمة في سوريا. لكن اللافت كان ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» أول من أمس عن أشخاص، قالت إنهم مؤيدون للمعارضة؛ إذ برر بعضهم تصفية الطبيب، على اعتبار أنه كان يقتل الجرحى في المستشفى.
في المقابل، تصر المعارضة على اتهام النظام وأجهزته الأمنية بالاغتيالات، وتذهب الهيئة العامة للثورة السورية، ومعها التنسيقيات، إلى إضفاء صفة المعارضة على ضحايا الرصاص، وهو ما نفته بشدة عائلة الدكتور نائل الدخيل، الذي يحمل إضافة إلى صفته العلمية رتبة العميد الركن العسكرية. وتتحدث الهيئة عن أن عمليات القتل جرت في وضح النهار بأسلوب دقيق ومدروس وقرب الحواجز الأمنية، ما يوحي بأن أجهزة النظام هي من يقف وراء تصفية الكوادر العلمية في البلاد، متسائلة في الوقت نفسه عن السرعة الفائقة في كشف ملابسات مقتل الدكتور عيد، فيما لم تصدر حتى اليوم نتائج التحقيقات في محاولة الاعتداء على علي فرزات وقبله مقتل الطفل حمزة الخطيب.
في المقابل، برزت أصوات معارضة للعمل المسلح تمثلت بكلام للمعارض ميشيل كيلو، الذي عبّر عن تخوفه من انتشار العمل المسلح السري، ما سيقود البلاد إلى حرب أهلية. وقال كيلو، في حديث لوكالة «فرانس برس»: «هناك يأس عند كثير من الشباب من الكفاح السلمي ومن النضال السلمي. يقولون: كل يوم ننزل سلمياً، ولسنا مسلحين، ونقتل في الشوارع من دون رحمة. لماذا لا ندافع عن أنفسنا؟»، مضيفاً: «اليوم هناك فكرة مطروحة، هي التظاهرات السلمية، لكن المحمية بالسلاح من المتظاهرين أو من الجنود الفارين حسب المناطق». وقال: «أخشى في المرحلة المقبلة أن ينتقل المتظاهرون إلى العمل المسلح؛ لأن النظام استمر بضرب التظاهرات المحمية».
أما الناشط المعارض ضياء دغمش، فيشير إلى تورط النظام في عملية الاغتيالات لخلق نوع من النزعة الطائفية، في إشارة إلى انتماء الشخصيات المستهدفة في حمص إلى الطائفة العلوية، ما يشير إلى إخافتهم وإيصال رسالة مفادها أن القتل بات على الطائفة، وتعمد اختيار العلماء كي يثير ضجة أكبر، مشيراً إلى أنهم «إن كانوا أناساً عاديين، فمن الوارد أن يرجع سبب القتل إلى كونهم من الأمن. أما باغتيال الشخصيات العلمية، فإن الصفة الأكثر مناسبة هنا هي أنهم علويون، ما يذكر بأسلوب الثمانينيات».
وطريقة الاغتيال هذه في الثمانينيات تتقاطع مع حديث محمد، الطالب في قسم الهندسة المعمارية في حمص، الذي ينسبها إلى الإخوان المسلمين، لا إلى النظام، مستشهداً بأسماء كبار الأساتذة والعلماء والأطباء الذين سقطوا قبل ربع قرن على أيدي الطليعة المقاتلة للتنظيم الإسلامي المسلح، والتهمة هي أنهم من العلويين. ويتوقع الشاب أن تتواصل سلسلة الاغتيالات، لا لتستهدف أبناء الطائفة فقط، بل كل من يقف ويعلن موقفاً عقلانياً، مؤكداً أن الدكتور عقيل «لطالما تحدث بلغة العقل والمنطق»، مؤكداً أن «الجامعة هي صرح علمي لا علاقة للسياسة به، ولا يمكن أن تطرح هذه النقاشات فيه، والأستاذ الجامعي الراحل دعا دوماً إلى الهدوء والتفكير بعقلانية، وهو ما لا يستوعبه دعاة الثورة»، على حد قوله. إذاً، ربما بات على علماء البلاد وشخصياتها المثقفة أن تحتاط من رصاص يستهدفها، رصاص يبقى مجهول المصدر، والاتهامات المتبادلة بين النظام ومعارضيه لا تلغي حقيقة أن الاغتيال دخل ساحة «الثورة السورية».