بين التطورات السورية الميدانية والمواقف التي واكبت تأبين نجل مفتي سوريا والتعليقات على إنشاء «المجلس الوطني» المعارض، خرج وزيرا الدفاع الأميركي والإسرائيلي باستفزاز جديد لدمشق


معركة الرستن إلى تلبيسة
دمشق تدين المجلس الوطني


طغى اغتيال نجل مفتي سوريا وردود الفعل الداخلية والأجنبية على إنشاء قيادة «المجلس الوطني السوري» على المشهد السياسي العام، في ظل هدوء نسبي وحذر تلى انتهاء معركة الرستن وانتقالها على ما يبدو إلى تلبيسة المجاورة في حمص. وأبى وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا إلا أن يسجل موقفاً يعتبر من بين الأوضح للإدارة الأميركية إزاء النظام السوري، بما أنه رأى فيه أن سقوط نظام الرئيس بشار الأسد بات «مسألة وقت». وقد اختار بانيتا مكاناً استراتيجياً ليطلق منه تصريحه الناري، وهو تل أبيب، في ختام اجتماع مع نظيره الإسرائيلي إيهود باراك. ورأى الوزير الأميركي، رجل الاستخبارات السابق، أنه «رغم استمرار النظام السوري في المقاومة، أعتقد أن من الواضح جداً أنها مسألة وقت قبيل حدوث ذلك. متى؟ لا نعرف». كلام لا بد أنه سرّ باراك الذي كرر العبارة نفسها عندما رأى أن «أيام النظام معدودة، وسقوط الأسد سيمثّل ضربة كبرى لمحور التطرف وللمسلحين المدعومين من إيران في المنطقة».
وبعيداً عن بانيتا وباراك، شُيّع في مدينة حلب جثمان سارية حسون، نجل المفتي العام في سوريا الشيخ أحمد بدر الدين حسون، الذي اغتاله مجهولون على طريق عام إدلب ــــ حلب أول من أمس. وقال المفتي حسون خلال التشييع إن «الذين يرتكبون هذه الأفعال لا يستهدفون أشخاصاً، بل يستهدفون الوطن ويريدون لسوريا أن تركع أمام الصهاينة وأميركا»، مؤكداً «أنهم لن يصلوا إلى غايتهم، وأنه حتى ولو لم يبق في سوريا إلا رجل واحد، فإنه لن يتنازل عن فلسطين، ولن يركع أمام أعداء الأمة، ولن يكون جباناً، ولن يقتل الأبرياء». وكان سارية حسون (22 عاماً) قد اغتيل «برصاص مجموعة مسلّحة إرهابية» على طريق إدلب ــــ حلب، حيث كان برفقة أستاذ التاريخ في جامعة حلب الدكتور محمد العمر الذي قتل أيضاً. ومثّل الرئيس بشار الأسد في التشييع وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد. وسارعت موسكو إلى إدانة الاغتيال، واصفةً ذلك بالعمل بـ«الإرهابي» الذي يندرج في خانة «ما شهدته الأسابيع الأخيرة من عدد كبير من العمليات الإرهابية ضد المدنيين الذين يدعون إلى إخراج سوريا من أزمتها عن طريق التفاوض»، وفق بيان لوزارة الخارجية الروسية.
من جهة ثانية، كان موضوع الإعلان عن قيادة «المجلس الوطني السوري» عنواناً بارزاً في السجال السياسي السوري، في ظل ترحيب فرنسا بالمجلس، لكن من دون أن تصل إلى حد إعلانه «محاوراً شرعياً وحيداً بدلاً من النظام»، وفق ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو. داخلياً، استنكرت القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية «الأصوات التي تستقوي بالأجنبي وتطالب بالحماية الدولية والتدخلات الخارجية والمؤامرة الكبرى التي تتعرض لها سوريا»، في تعليق رسمي هو الأول من نوعه على نبأ إعلان قيادة المجلس الوطني السوري. غير أنّ عضو مجلس الشعب السوري محمد حبش سجّل موقفاً لافتاً عندما رحّب «بأي تجمّع للمعارضة السورية»، وطالب المجلس الوطني بتقديم مقترحات توافقية. كذلك انتقد حبش، خلال مؤتمر صحافي عقده «قادة الطريق الثالث» في دمشق، «استخدام السلاح في الشارع السوري، لأن هذا إجرام، ونحن أدنّا وندين هذا الاستخدام من السلطة وكذلك من الشارع»، ورفض الدعوات التي أطلقتها بعض قوى المعارضة السورية في الخارج بطلب الحماية الدولية والتدخل العسكري لحماية المواطنين السوريين. وفي السياق، وجّه حبش انتقادات حادة إلى «العقلية المسيطرة على مجلس الشعب» عشية انعقاد دورة جديدة له اليوم، وطالب بدور تشريعي حقيقي له، ومساهمة في المصالحة في سوريا بدلاً من دوره الحالي «المخجل»، متمنياً لو أن المتظاهرين «ذهبوا إلى البرلمان مرة واحدة لنحسّ بأن له دوراً».
من ناحية المعارضة، رحّب المراقب العام السابق للإخوان المسلمين في سوريا، علي صدر الدين البيانوني، بولادة المجلس الوطني، معتبراً أنه يمثّل «80 في المئة من المعارضة السورية»، وذلك في مداخلة له ضمن ندوة نظمها مركز «بروكينغز» في العاصمة القطرية الدوحة. وقد أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» المعارِض أن تظاهرات نظّمت في عدد من المناطق السورية أمس، تأييداً للمجلس الوطني السوري، وخصوصاً في حي القدم في دمشق وفي ريف دمشق «على الرغم من الانتشار الكثيف لقوات الأمن وكذلك في حماة وحمص وإدلب ودرعا ودير الزور». وفي موقف لافت، رحّبت «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديموقراطي» التي تمثل معظم رموز معارضة الداخل في سوريا، من «حيث المبدأ»، بتأليف «المجلس الوطني السوري»، كاشفةً انه «لم توجَّه إليها الدعوة رسمياً لحضور مؤتمر إسطنبول». وشدّدت الهيئة، على لسان أمين سر مكتبها التنفيذي المحامي رجاء الناصر، على عدم المشاركة في مثل هذه المؤتمرات «بسبب إمكان حصول تدخل من الأطراف الخارجية»، فيما نفت وجود أي قنوات حوار مع السلطة. ورأى الناصر، في تصريح إلى موقع «شام برس» أن تأليف «المجلس الوطني خطوة على طريق توحيد المعارضة الوطنية الديموقراطية التي بدأت في الداخل ومن خلال هيئة التنسيق الوطني»، غير أنه ركّز على ضرورة أن تكون المعارضة في الخارج «داعماً ومسانداً لحركة المعارضة والانتفاضة الشعبية في الداخل، وألا تتحول هذه الغاية إلى مجرد تهاتر وسعياً إلى استئصال الآخر والاستئثار». وكان المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا محمد رياض الشقفة، العضو القيادي في «المجلس الوطني» المولود حديثاً، قد قال في حديث إلى قناة «الجزيرة»، مساء أول من أمس، إن «الشعب السوري ونحن نرفض أي تدخل عسكري أجنبي على الأرض السورية، لكن إذا استمر النظام بقتل شعبه، فهناك وسائل كثيرة لردعه مثل حظر الطيران»، مضيفاً أنه «إذا تواصل قصف النظام بالمدفعية والدبابات، يمكن أن تتدخل الطائرات لإسكات مصادر هذا القصف».
ميدانياً، نقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن «لجان التنسيق المحلية» تأكيدها أن عدد المعتقلين في مدينة الرستن وحدها، في الأيام الثلاثة الماضية، وصل إلى 3 آلاف. وأشار «المرصد» السوري لحقوق الإنسان إلى أن القوات السورية تنفذ منذ منتصف ليل الأحد ــــ الاثنين عمليات أمنية واسعة النطاق في مدينتي دوما بريف دمشق ودير الزور (شرق البلاد) تتخللها عمليات دهم وإطلاق نار كثيف، ما أدى إلى سقوط «عدد من الجرحى». وبدا أنّ معركة الرستن انتقلت جدياً إلى مدينة تلبيسة المجاورة للرستن في حمص أيضاً، إذ بثّت فضائية «الجزيرة» مشاهد مسجّلة لما قالت إنه «قصف عنيف على تلبيسة».
(الأخبار، أ ب، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)