صنعاء | مثّل هجوم «الحراك الجنوبي» على عدن وسيطرته على الموانئ والمواقع المهمة في المدينة الجنوبية، ضربة موجعة لقوات الغزو الإماراتي ــ السعودي والمجموعات المسلحة المؤيدة لها. العملية المفاجئة وغير المتوقعة من القوات التي كانت منضوية ضمن المجموعات المقاتلة للجيش و«اللجان الشعبية» في الآونة الأخيرة، أثارت تساؤلات بشأن الغرض والتوقيت، وموقف التحالف وقواته من هذا الهجوم.


منذ هجوم المجموعات المسلحة على عدن وانسحاب الجيش و«اللجان الشعبية» منها، بدأت تظهر بوادر صراع بين الفصائل المتناقضة التي حاول العدوان السعودي التأليف بينها من بقايا النظام السابق. وكانت السعودية قد حاولت طوال السنوات الماضية تكريس وجود تنظيم «القاعدة» في المجتمع الجنوبي بواسطة دعاة دينيين، ثم تحويلهم إلى تنظيمات مسلحة تستهدف المعسكرات وتستولي على المدن والقرى، من دون أن تتخذ الحكومات السابقة تدابير جدية لملاحقتها.
ظلّ الوضع على هذه الحال حتى آذار الماضي، حين دخلت قوات الجيش و«اللجان الشعبية» إلى الجنوب ولاحقت المسلحين التكفيريين في كل المحافظات باستثناء حضرموت، وكادت أن تقضي عليها لولا تدخل العدوان الذي تمكن بعد أربعة أشهر من أن يعيد المسلحين إلى مناطق عدن وأبين ولحج، ويدفع الجيش و«اللجان» إلى الانسحاب منها.
هذا الانسحاب، ترك الجنوب وأبناءه أمام استحقاقات كبيرة وثقيلة، أهمها مستقبل القضية ومواجهة الاحتلال وبقايا النظام الذي أسقطته صنعاء في وقت سابق، وفي مقدمه رموز حزب «الإصلاح» والرئيس الفار عبد ربه منصور هادي المكروه جنوباً. وكان انخراط بعض قيادات «الحراك» في العدوان عبر تأييده وقبول الرئيس السابق حيدر العطاس، أحد القادة الجنوبيين البارزين، منصب مستشار هادي جنباً إلى جنب مع اللواء الفار علي محسن الأحمر ومحمد علي اليدومي (وهم من قيادات حرب 1994)، ليعزز انقسام الجنوبيين، بين من عدّ ذلك خذلاناً للحراك، وبين من رأى أنه مجرد «تكتيك».
في هذا الوقت، بدأت قوات «الحراك» تكتشف أن دول التحالف «تآمرت عليها». إذ يقف مسلحو «الاصلاح» وهادي والسعودية خلف مشروعٍ لا يتسق مع مشروع الإمارات، كما أن الدولتين تنصلتا سريعاً من التعهدات السابقة لقيادات الحراك.
هذا الواقع وأسباب تاريخية وسياسية أخرى، أدت إلى اندلاع اشتباكات في اليومين الماضيين، بين مجموعات مسلحة تابعة لحزب «الإصلاح» وهادي ويين مسلحي «الحراك الجنوبي» في حي التواهي وكريتر وخور مكسر، فيما اختلفت الروايات حول حقيقة ما يجري. مصدر أمني في عدن أكد لـ«الأخبار» أن ما حدث جاء بسبب سيطرة «القاعدة» و«الإصلاح» على «الأماكن الحساسة» في عدن، أهمها قصر المعاشيق وقيادة المنطقة الرابعة والقصر الجمهوري في التواهي، مقابل إقصاء «الحراك الجنوبي» وإبعاده عن امتلاك زمام الأمور بحسب التعهدات التي كان يسوّق لها إعلام العدوان قبل انسحاب الجيش و«اللجان الشعبية». وأكد المصدر أن «أكثر من 100 قتيل سقطوا أمس وأول من أمس في الاشتباكات التي تجري في عدن»، مشيراً إلى أن محافظ عدن الذي عينه هادي أخيراً، نائف البكري، يقود ميليشيات «الإصلاح» وهادي، في محاولة للسيطرة على قصر المعاشيق الذي سيطرت عليه مجموعات تابعة للحراك.


توجيهات سعودية لتصفية قيادات وناشطين جنوبيين مقربين من إيران


من جهة أخرى، كشف القيادي في «الحراك الجنوبي»، حسين زيد بن يحيى، ومنسق ملتقى «التصالح والتسامح» عن مخطط التحالف لتصفية قيادات جنوبية، مؤكداً أن الاستخبارات السعودية أرسلت عبر الهارب هادي قوائم بأسماء قيادات ونشطاء الحراك الجنوبي السلمي، و«خصوصاً الذين سبق لهم زيارة بيروت وإيران، بالإضافة إلى أسماء القيادات وناشطي الحراك المقربين من الرئيسين السابقين علي ناصر محمد وعلي سالم البيض أو من الجنرال أحمد عبدالله الحسني الأمين العام السابق للتجمع الديموقراطي الجنوبي (تاج) باعتبارهم من المقربين لإيران». واستطرد بن يحيى قائلاً: «هناك توجيهات من هادي والاستخبارات السعودية إلى محافظ عدن المعيَّن من قبل الاحتلال نائف البكري وإلى الميليشيات الموالية للعدوان من القاعدة وداعش والإصلاح بتصفية تلك القوائم والأسماء التابعة للحراك الجنوبي جسدياً باعتبارهم يشكلون خطراً على الأمن القومي السعودي ومشروع الرياض في اليمن».
على الضفة المقابلة، أعلنت «قيادة المقاومة الشعبية» (المجموعات المسلحة المؤيدة لهادي) أن القصة بدأت منذ أسابيع عقب سقوط التواهي وكريتر ‏بيد «المقاومة»، مضيفاً إنه «فيما كانت قواتهم مشغولة بما سماه تحرير ما تبقى من مناطق الجنوب في لحج والعند ‏وأبين والضالع، استغلت الجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة ذلك وسيطرت على هذه المناطق تمهيداً لإعلان إماراتها فيها». ولفت البيان إلى أن «قيادة المقاومة أرسلت إلى الأشخاص الذين يتمركزون في هذه ‏المواقع رسائل عدة أبلغتهم فيها أن بقاءهم في هذه المواقع الحساسة والمهمة أمر مرفوض، وخصوصاً بعد قيامهم بقتل عدد ‏من المواطنين». بيان المجموعات يعد اعترافاً بوجود «القاعدة» وبالعمليات التي ارتكبتها في عدن في الأسابيع الماضية. وأضاف البيان: «وصل الأمر إلى طريق مسدود، وحينها أمر قائد المنطقة العسكرية الرابعة أحمد سيف اليافعي بتحرك قوتين من ‏المقاومة: الأولى بقيادة جمال الصبيحي وهو من منطقة مودية في أبين، والثانية بقيادة عدد من أبناء منطقة الحد في يافع»، مؤكداً أنها «توجهت إلى المعاشيق والقصر الرئاسي في التواهي وطلبت من هذه الجماعات ترك تلك المناطق، لكنها رفضت فنشب اشتباك مسلح بينها».
إلى ذلك، أكد مصدر أمني في عدن أن القوات الغازية تجهز حالياً معسكرات في عدن لاستقبال مجندين جدد غير بعيدين عن فلك «القاعدة» والمجموعات التكفيرية. وذكر المصدر أن إنشاء هذه المعسكرات يأتي ضمن حملة مشابهة في المكلا وأبين وأجزاء من لحج يتم فيها إعادة تأهيل مسلحي «القاعدة» وتسليحهم تحت ‏لافتة محاربة ما سموه «الروافض». المصدر أكد أيضاً دخول آلاف من الجنود السعوديين والإماراتيين إلى عدن أخيراً، تحت ذريعة حماية عدن وأجزاء ‏من لحج من عودة سيطرة الجيش و»اللجان الشعبية» مستقبلاً.




«أنصار الله» تطلق 200 أسير من «الحراك» قريباً

في وقتٍ بدأت فيه القوى التي قادت حرب 1994 على الجنوب، وفي مقدمها هادي و«الإصلاح» بالإمساك بزمام الأمور في الجنوب بعد انسحاب «أنصار الله» وإقصاء «الحراك الجنوبي»، كشف منسق ملتقى «التصالح والتسامح»، حسين زيد بن يحيى، أن «أنصار الله» ستطلق سراح نحو 200 أسير من عناصر «الحراك الجنوبي» الذين تم أسرهم أثناء المواجهات في المحافظات الجنوبية خلال أشهر العدوان. وتوقع بن يحيى أن يكون ضمن الأسرى الذين سيتم إطلاقهم قريباً وزير الدفاع السابق اللواء محمود الصبيحي واللواء فيصل رجب واللواء ناصر منصور هادي شقيق الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي، الذين تم أسرهم أثناء مواجهتهم الجيش و«اللجان الشعبية» قبيل فرار هادي إلى الرياض في آذار الماضي. وأوضح بن يحيى أن ذلك يأتي ضمن صفقة لتبادل الأسرى، مؤكداً أن الهدف من إطلاق سراح الأسرى الجنوبيين يأتي في سياق إعادة تطبيع العلاقات بين «أنصار الله» وقوى «الحراك الجنوبي».