لم تكن طفولتي كما طفولة بقية الأطفال لعباً ولهواً وفرحاً وخلوّ بال. كنت لم أتجاوز الثالثة عشرة من عمري بعد، لكني كبرت قبل أن أكبر وهرمت قبل أن أهرم .لا أعرف سبباً لذلك في الحقيقة، إلا أنه لم تكن تستهوني ألعاب الأولاد. كنت أنزل الى الشارع، ثم أقف في زاوية الزاروب الصغير لأنظر إليهم وهم يلعبون. أراقبهم بصمت، أتابع ضحكاتهم وولدناتهم فأبتسم قليلاً، لكن سرعان ما كنت أغادرهم لأدخل بيت جدي.


وبيت جدي كان دائماً عامراً بذوي الحطات البيض والعقل السوداء، تتوج وجوهاً حفرت عليها سنون النكبة أخاديد عميقة، عمق جذورهم المتأصلة بحب الأرض.
كان جدي هو من أشرف على تربيتي: أروح وأغدو معه في كل زياراته. كنت متعلقاً به إلى درجة الوله والولع. أدخل منزله المبني من طين أصفر وقش وألواح الزينكو، وباب صنعته الأيدي من خشب "الصحاحير" أي صناديق الخضرة والفواكه الخشبية، تملأه الثقوب والفرجات. كنت أتمدد على جنبي في صحن الغرفة. أضع يديّ الاثنتين تحت خدي وأصغي بانتباه شديد لكل كلمة تخرج من أفواه ضيوفه أو منه.
كثيراً ما كان ينهرني بعض الضيوف بقولهم "يا ولد... شو مقّعدك هون؟ روح العب مع الولاد برا". إلا أن جدي كان يضحك لكلامهم هذا قائلاً "اتركوه يا عمي، هيدا مش ولد. زياد زلمة وختيار مكحكح". كنت أفرح لذلك. لا أعرف لماذا بالتحديد! هل هو لوصف جدي لي بأني "مكحكح"، أم لإشارته الى أنني كبرت على لعب الأولاد؟ لا أعلم. الأرجح أنه مزيج من الاثنين، والأهم أن ذلك كان يجعلني أبقى حيث أنا مستمتع بينهم.
بدأت من تلك الفترة أسمع قصصاً وحكايات عن وطني وبلدتي "نحف". وكم كنت أفرح عندما يزورنا صديق لجدي من قرية "البعنة" المجاورة لقريتي في فلسطين. كان المشهد ينقلب ساعتها الى ضحك وفكاهة، وغمز ولمز بين أهل القريتين على عادة القرى المتجاورة على تنافس.
هكذا، كان أحد الحاضرين مثلاً، وأذكر أنه من قرية شعب المجاورة أيضاً، يبدأ بالتنغيم على ما كان قد حصل يوماً بين مختار بلدتنا "نحف" في تلك الفترة ومختار "البعنة". فحسب الرواة، قرر أهل البعنة بعد خلاف حول زواج أحد الشباب من قريتهم بإحدى بنات قريتنا، قطع الهواء عن أهل نحف في موسم الحصاد! إلا أنهم، وتكريماً لمختار نحف، قرروا ترك "طاقة" على زعمهم ليدخل الهواء منها إلى المختار فقط. وبعد فتره أرسلوا جاسوساً الى قريتنا ليتأكد من أن لا هواء في نحف. فذهب ووجد الحصادة على البيدر والهواء "يلعلع". فما كان منه (دائماً على ذمة الرواة) إلا أن رجع مسرعاً ليخبر أهل قريته. لكن هؤلاء استغربوا كيف يلعلع الهواء وكل الحدود بين البعنة ونحف مغلقة بالحصير! فكانت الفتوى أن الهواء "المتسرب" لا شك تسرب من طاقة المختار، فما كان منهم إلا أن أغلقوها". يغرق الجميع في ذلك الضحك البريء ليبدأ بعدها ذاك البعني، رحمه الله بسرد قصة أخرى عن أهل نحف للرد على الرواية الأولى. فيرد عليه جدي بقصة أخرى ليتدخل ابن قرية الدامون أو شعب أو المغار الخ.
كل هذا وأنا جالس على نفس ما ذكرت، أستمع وأضحك لضحكهم وعلوّ صوتهم بضجة بهيجة كأن ضحكاتهم آتية من زمن مضى تحاول أن تستعيده. وكبرت، وكبر معي حب فلسطين والقرية البعيدة التي لم أعرفها إلا من الحكايات. القرية التي روى لي والدي كيف أنه عاد إليها متسللاً عام 1952 قاطعاً الحدود اللبنانية، حيث مكث في القرية بضعة أشهر، قبل أن تلقي سلطات الاحتلال القبض عليه وتبعده الى لبنان مرة أخرى.
لا أعرف لماذا أكتب ذلك! هل لأني كبرت فعلاً وأحس بحاجة لاستعادة ذاك الزمان؟ أم أني أتذكر بساطة المودة بين الناس في زمن يبتعد فيه الجميع أكثر فأكثر عن أخلاق القرية؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أنها لحظة حنين ممض، جعلتني أكتب عن ذاك الزمن الطيب. زمن المودة والألفة. زمن ذكر الأرض وحب الأرض وعشق الأرض... الأرض التي تحت أقدامنا، التي لنا: نراها ونشمها ونقبض عليها بأكفنا. زمن الحفاظ على العادات الجميلة التي لم يستوردها أحد لكي تجعلنا أغراباً عن أهلنا في بيوتنا... ماذا أقول؟ بل في ملاجئنا، غربة مضاعفة مؤلمة.
أو ربما يكون ببساطة الحنين الى الأرض المفقودة الموعودة، أرض لا تزال بعيدة، في حين لم يبق من العمر الكثير من البقية.