في رحيلهم ليس هناك أجمل من الإنصات قليلاً لأرواحهم وهي تصعد عالياً، أو حين تتجلى في نسيم يلفح وجه امرأة تجلس وحيدة في زقاق عتيق.

رحل قبل يومين الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد الوهيبي من مواليد طبريا 1947، وله أربعة أبناء منهم الفنان عماد الوهيبي الزميل في الرسم في "الأخبار".
أبدع الوهيبي خلال سنوات عمره فناً، اعتبره النقاد التشكيليون مغايراً من ناحية الشكل والمضمون عن التجربة الفنية الفلسطينية عموماً، وهو المجرب الخلاق في تقنيات الحفر والتصوير، والقائل: "إن أهم ما يميز اللوحة هو التقنية، وفي أي عمل فني لا بد من إظهار جانب الفكرة أو الدلالة الذي يساوي الجانب التقني، والجانب التقني هو رافع الفكرة، وبهذا تتوهج طاقة التجربة التقنية مع الفكرة".
وفي واقع الحال كلما رحل عنا أحد القامات الفلسطينية من فنانين أو شعراء أو مثقفين حقيقيين، نبتعد أكثر من فلسطين التي بقيت للآن في دم الشهداء وأعمال هؤلاء الكبار.
الوهيبي رحل بهدوء المتيقن من رحلته الأبدية، ربما إلى عالم أجمل، وأكثر ائتماناً على فنه، هناك سيرسم ما رأته روحه من جمال في أفق اللاوعي اللامنتهي من السحاب ومدن الغربة القسرية والمخيمات وأوجاعها الصغيرة والكبيرة...

رثاء جميل للفن لا للفنان فقط، فريشته وأدوات الحفر الخاصة به حزينة أيضاً مثل صحبته وعائلته الحزانى عليه.
فالفنان التشكيلي الفلسطيني عماد رشدان كتب في رحيل الوهيبي: "اليوم تستقبل السماء حارساً من حراس حلمنا، عاشق لفلسطين وعاشق للشام عاشق الحياة. ساحر أخرج الجمال من تحت عباءة بدوي خرج لتوه من الصحراء، اليوم أنعى لكم صديقي ومعلمي الفنان محمد الوهيبي".
أما النحات الفلسطيني زكي سلّام فنعاه قائلاً: "رحيلك أخذ مني ما لا يمكن استرجاعه... وتبقى الذكريات تتبعني إلى أن أتبعك بأمان الله صديقي محمد الوهيبي ولروحك الرحمة والسلام". وكذلك ابنته الفنانة التشكيلية سومر، قالت: "رحل أجملنا... في حسرة ما حل بنا... الفنان الكبير محمد الوهيبي".
ومثلهم الشاعر الفلسطيني محمود السرساوي قال: "لا أستطيع وداعاً جديداً يا محمد، يحق لك أن تتبع الحلم إلى منتهاه جميلاً شفيفاً كخيط سماء على موجة عارمة ترتل خطوط الضوء تحفن من ترابها لوحة باسقة كأنك اخترت الغصن الأكثر علواً في فيضان جرحها وقررت الرحيل بكامل المعنى".
كذلك عبرت القاصة الفلسطينية سلوى الرفاعي عن حزنها: "محمد الوهيبي الفنان. رسول المحبة. صاحب الريشة الذهبية. رحل إلى النور وترك لنا العتمة".
الفنان التشكيلي السوري أكسم طلاع نعاه بقول شفيف: "الفنان والصديق الجميل خالي محمد الوهيبي. رحل إلى السماء حيث لا غربة ولا ضجيج".
عدد كبير من المبدعين الفلسطينيين والعرب نعوا التشكيلي محمد الوهيبي، الراحل عنا بهدوء لا يتبعه هدوء، فما قدمته رحلته الفنية في الأرض كانت كفيلة بحفر اسمه كما الرؤية في لوحاته، داخل ذاكرة الفن العالمي، الذي استقبل أعماله في العديد من الصالات العالمية، وآخر معارضه كان في برلين أواخر السنة الفائتة. أذكر الوهيبي كما تذكره صالات العرض في دمشق، بتلك القامة البهية المشعة من بعيد، حين كان يأتي لمشاهدة المعارض في المراكز الثقافية داخل مخيم اليرموك وخارجه، وأذكر أني عرفته بالاستماع قبل المشاهدة، حين كنت أسمع الكثير من المتابعين والمهتمين بالثقافة والفن، يتكلمون عنه بانبهار، بذلك الأسلوب الفني الذي يقدم فيه أعماله التي غلب عليها الطابع الأسطوري من حيث التشكيلات في اللوحة، مع الحضور الإنساني لقضيته في اللوحة.
أذكر مثلما أرى لوحاته التي تروي حكاية بألوان تبعث على الحزن والغضب في آن، وكأنها تصمم على بعث الفرح في الآن عينه.
يغيب محمد الوهيبي لهنيهات، كي يستريح من تعب طويل أضناه في انتظار وطن قد يكون، يغيب ولا يرحل، يغيب ليرسم هناك في المدى حلماً آخر لنا وله...