باريس | خلافاً لما كان متوقعاً، لم يسفر اللقاء الذي جمع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أمس، في قصر الإليزيه، عن إطلاق مبادرة فرنسية لإعادة تنشيط مسار السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وكانت مصادر الرئاسة الفرنسية قد أعلنت في نهاية الأسبوع الماضي، في بيانها بخصوص هذه الزيارة، أنها تندرج ضمن مبادرة فرنسية تهدف إلى إقناع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بالعودة إلى طاولة المفاوضات قبل مطلع العام 2012.

وكان الرئيس الفرنسي قد تحادث هاتفياً، أول أمس، مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، طالباً منه دعم هذه المبادرة الفرنسية، بعدما فشلت كل المساعي الدبلوماسية التي بذلتها باريس لإقناع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بالقبول بوقف عمليات الاستيطان أو تجميدها مؤقتاً، من أجل تسهيل إعادة إطلاق مسار المفاوضات. ومن جهة أخرى، لم تفلح المساعي الفرنسية في إقناع السلطة الفلسطينية بـ«قبول العودة إلى المفاوضات من دون شروط مسبقة»، ما أدى إلى إرجاء إعلان المبادرة الفرنسية. على أن تستمر هذه المساعي، وفقاً لمصادر الإليزيه، من خلال الاجتماعات المرتقبة للجنة الرباعية، الأسبوع المقبل، في القدس ورام الله.
وألقى الرئيس الفلسطيني المسؤولية على الحكومة الإسرائيلية في عرقلة المساعي الفرنسية الهادفة إلى تنشيط مسار المفاوضات، وقال، في أعقاب لقائه ساركوزي: «في حال قبول السيد نتنياهو بحل الدولتين ووقف الاستيطان، نحن على استعداد للعودة فوراً إلى طاولة المفاوضات. لكن إسرائيل مصممة على الاستيطان، وهناك 2600 مشروع استيطاني أطلقت خلال الأسبوعين الأخيرين».
وأشارت مصادر قصر الإليزيه إلى أن المباحثات بين ساركوزي وعباس ارتكزت أساساً على موضوع طلب انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة، حيث سعى الرئيس الفرنسي إلى إقناع رئيس السلطة الفلسطينية بأن يتم طلب الانضمام عبر «الجمعية العامة» وليس من خلال «مجلس الأمن»، من أجل «تفادي الاصطدام بالفيتو الأميركي».
لكن هذا المطلب الفرنسي يعكس، في الواقع، حرجاً دبلوماسياً فرنسياً واضحاً، حيث يأمل الرئيس الفرنسي ألا يكون هناك تصويت في مجلس الأمن، لأن ذلك يتطلب من فرنسا أن تحسم موقفها من تأييد المطلب الفلسطيني أو الامتناع عن التصويت، علماً بأن كلا الموقفين يضعان الرئيس الفرنسي في حرج أمام الرأي العام الفرنسي، وهو ما لا يرغب فيه الرئيس ساركوزي خلال الفترة الانتخابية الحالية التي يحرص فيها على عدم استعداء أيّ من الناخبين العرب أو اليهود في فرنسا.
وكان هذا الموقف الزئبقي لساركوزي قد أثار جدلاً حاداً في البرلمان الفرنسي، أول أمس، خلال استجواب وزير الخارجية، ألان جوبيه، من لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، حيث انتقدت اللجنة بشدة إحجام الدبلوماسية الفرنسية عن إعلان دعم صريح لطلب الانضمام الفلسطيني إلى الأمم المتحدة. وطالبت اللجنة الوزير جوبيه بموقف حازم يجاهر بأن فرنسا ستقترع بالموافقة على الطلب الفلسطيني إذا عُرض على مجلس الأمن، موضحة أن غموض الموقف الفرنسي من هذه المسألة يتنافى مع التقاليد الدبلوماسية الفرنسية، ويمثّل «انحيازاً صارخاً لإسرائيل، التي يُقبل منها ما لا يمكن أن يُقبل من أي دولة أخرى في مجال تحدي الشرعية الدولية وخرق قراراتها».