لا أعرف كم ركّز التلفزيون الفلسطيني « الرسمي » على إحدى الحاضرات في « مهرجان إنسان للسينما » في مخيّم بلاطة . الفتاة إن لم يخنّي التقدير، ذات ملامح أوروبية، وعلى الأرجح اسكندينافية بسبب معرفتي بالكثير منهنّ، وخصوصاً أعضاء منظمات المجتمع المدني التي تنغل في الأردن وفلسطين .

المهرجان بدأ بفيلم عن « تل الزعتر » وما جرى هناك . وطبعاً تضمن الفيلم مشاهد وإخراجاً مأسويّاً مصاحباً لموسيقى « تقطع نياط القلب » ، والحضور كان بأغلبه من بنات المخيم، حيث نظمت رحلة مدرسية لمدرسة « إناث بلاطة الأساسية » الى المهرجان، أو « الجمهور الشعبي» كما وصفه متحدث من مخيم بلاطة . وأقصد بـ « بنات المخيم » اللواتي لم يتجاوزن 17 عاماً، وطبعاً بعض الوجهاء في الصف الأول، والحسناء الأوروبية في الصف الثاني . ليس من المستغرب عمل مهرجانات سينمائية في المخيم ولا أيام مسرحية . فمركز شباب بلاطة اعتاد على فعاليات ثقافية توازي في غزارتها إنتاج عصر النهضة الأوروبية من مسرحيات عبثية أو ملاحم شكسبيرية .
لكن ما لفت نظري في كل الموضوع هو الفيلم الذي يتحدث عن « تل الزعتر » ، علماً بأننا كنا في أيلول الشهر الأكثر اكتظاظاً بالمجازر في تاريخ الفلسطيني. ليس تحقيراً لما حصل في « تل الزعتر » ولا تعظيماً لغيرها من المجازر، لكن التوقيت الذي أثيرت فيه احتفاليات الحزن والمراسم العاشورائية الفلسطينية، ركزت على مجزرة تل الزعتر وسلّطت الضوء عليها في أكثر من مناسبة، وخصوصاً عند مثقفي رام الله وياسر عبد ربه، والآن في مخيم بلاطة ! وقال من قال إن النظام السوري هو من نفذ هذه المجازر . لا ضير في استذكار الدم الفلسطيني، لكن استذكار جرح دون آخر واستخدامه في السياسة هو ما يصيبني بالغثيان . كنا في أيلول وفيه محطتان مهمتان من مراثي الشعب الفلسطيني ولطمياته : «الحرب الأهلية في الأردن بين فصائل المنظمة والجيش العربي المصطفوي الهاشمي الأردني » ، ما عُرف بأيلول الأسود، أو « تنكيل الجيش العربي الخ بالمدنيين الفلسطينيين » حسب الراوي، بل ذهب الفاجومي الى تحويل الحوادث الى « هولوكوست »، وقال إن النظام الأردني قتل مليونَي فلسطيني، ما غيّر مدى معرفتي بتأثير الحشيش من « مُسَطِّل » إلى « مُهَوِّل ».
وفي أيلول، أشد المجازر إيلاماً في تاريخ سفر الخروج الفلسطيني الحزين، مجزرة ارتقى الى ذكريات الألم فيها ما يقارب 3000 شهيد، مارس الفاشي فيها أقسى صنوف الوحشية والنازية بحق العزّل .
هي مجزرة صبرا وشاتيلا
نقطة وسطر جديد . تل الزعتر في غير مكانها وزمانها ، وغايتها مشبوهة قليلاً، هذه الملاحظات قد لا تجد جواباً إلا في شفاه الحسناء الاسكندينافية التي سلبت عقل مصوّر التلفزيون الفلسطيني « الرسمي » الذي تفنّن في أخذ البوزات لها وضرب مثلاً ونسي شعبه.