كانت موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على «ساعة الإغلاق»، الاسم الذي أطلقته إسرائيل على صفقة تبادل الأسرى مع حماس، مفاجأة للعديد من المراقبين، الذين اعتبروا أن قراره يتناقض تماماً مع توجهاته السياسية ـــــ الإيديولوجية من جهة، ومع المقاربة التي لطالما نظّر لها لمواجهة ما يُسمى الإرهاب. من هنا، أثارت موافقته العديد من الأسئلة التي انبرى معلّقون وكتّاب من المؤيدين للصفقة والمعارضين لها على حد سواء، لسبر أغوارها أو التسويق لها. وعلى الرغم من أن نتنياهو تطرق إلى دوافع قراره ومبرراته، في كلمته التي ألقاها أمام الحكومة الإسرائيلية في جلستها التي أقرت فيها صفقة التبادل، فركّز على الجوانب العاطفية والقيمية، وعلى الخشية من تأثير التطورات في العالم العربي بصورة سلبية على فرص التوصل إلى الصفقة، إلا أن ما لم يقله نتنياهو، تطرق إليه المعلقون والخبراء الذين أشاروا إلى أن ثمة جملة من العوامل دفعت نتنياهو، وشجعته وسهّلت له المضيّ قدماً في إتمام صفقة التبادل. ومن أهمها موقف قادة المؤسسة الأمنية والعسكرية (الشاباك، الموساد والجيش)، المرونة في موقف حماس، التطورات التي يشهدها العالم العربي، توجه محمود عباس إلى الأمم المتحدة، الضائقة السياسية التي يمر بها نتنياهو والمسألة الإيرانية. وفي ما يتعلق بموقف المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، كشفت التقارير والمعلومات المتداولة في إسرائيل أن رئيس الأركان بيني غانتس، ورئيس الشاباك يورام وكوهن، أعلنا أخيراً بصورة قاطعة أنهما لا يستطيعان أن يقترحا على الحكومة خطة تنفيذية عملية تتيح إطلاق سراح شاليط على قيد الحياة. ومع دخولهما للمنصب، قام كل من غانتس وكوهن بعملية فحص جديدة وأساسية للاحتمالات التنفيذية لإطلاق سراحه، وتوصلا إلى نتيجة واحدة ـــــ الطريق الوحيد لإطلاق سراح شاليط هي صفقة تحرير أسرى. وتضيف المعلومات المتداولة إن وزير الدفاع إيهود باراك تبنى هذه النتيجة بعدما فحص التفاصيل، وأوصى نتنياهو بالتمسك بمبدأ وضعه رئيس الحكومة السابق إسحق رابين في وقته، وهو «إذا لم يكن هناك احتمال لعملية عسكرية، فينبغي إطلاق سراح أسرى إسرائيليين، بدون خيار، عبر صفقة لإطلاق سراح إرهابيين، مهما كانت صعوبتها».

أما العنصر الثاني فتمثل في المرونة التي أظهرتها حركة «حماس»، ذلك أنه على الرغم من إقرار الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل بأن صفقة التبادل تمثل إنجازاً كبيراً لحماس، وانتصاراً لها، إلا أن الاعتقاد السائد في إسرائيل يفيد بأنه لولا المرونة التي أظهرتها حركة حماس، وتنازلها عن بعض الشروط والمطالب، لما وافق نتنياهو على الصفقة بصيغتها الحالية. وبالتالي يتم عرض هذه المرونة في معرض التسويق لموقف نتنياهو واعتبارها إنجازاً له. وفي هذا المجال، يشير المراقبون في إسرائيل إلى نقطتين أساسيتين أبدت فيهما حماس مرونة أحدثت اختراقاً في جدار المفاوضات، وهما موافقة حماس على إبعاد عدد كبير من الأسرى إلى خارج الضفة الغربية، وتنازل حماس عن مطلبها إطلاق سراح عدد من كبار القادة المعتقلين في السجون الإسرائيلية. العنصر الثالث يرتبط بتوجه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ويشير مراقبون ومعلقون في إسرائيل إلى أنه في الماضي أعربت الإدارة الأميركية عن مخاوفها من أن صفقة التبادل سوف تؤدي إلى ارتفاع شأن حماس ومكانتها في الشارع الفلسطيني، على حساب أبو مازن وحركة فتح. وهذا ما كانت الأوساط الإسرائيلية تشاطرهم الرأي فيه. لكن، يضيف هؤلاء، وفي أعقاب التوجه الى الأمم المتحدة، تعزز وضع أبو مازن للغاية، وليس هناك مخاوف من المساس الشديد بوضعه في أعقاب الصفقة، ومن المحتمل أن تكون هناك مصلحة لنتنياهو أيضاً في جعل أبو مازن يتصبّب عرقاً، كانتقام منه على أدائه الأخير على الساحة الدولية.
العنصر الرابع يتعلق بالتطورات التي يشهدها العالم العربي، وحديث نتنياهو عن نافذة الفرص الآخذة في الانغلاق، ولا سيما في مصر وسوريا، وتاثير ذلك على قرار نتنياهو. ويُفسر مراقبون هذا التأثير بحقيقة أن نتنياهو أدرك أن الوسيط الألماني غيرهارد كونراد استنفد جميع قدراته، وأن مصير المفاوضات موجود في أيدي المجلس العسكري في مصر. وعليه، ثمة في إسرائيل مخاوف جادة من أن هذا المجلس الذي تدير معه إسرائيل حواراً متدفقاً، قد يفقد خلال بضعة أشهر قدرته على الوساطة وقد يصبح تحت تأثير الإخوان المسلمين. كما أن المجلس العسكري الأعلى الحاكم في مصر يحتاج حالياً الى إنجاز على الساحة الدولية والعربية.
وهناك عنصر آخر وهو الوضع في سوريا. فثمة من يعتقد في إسرائيل بأن نظام الرئيس السوري بشار الأسد أيّّّّّّّد إتمام الصفقة من أجل تحسين وضعه على الساحة الدولية، وأنه استخدم تأثيره على قيادة حماس الموجودة في دمشق لكي تبدي مرونة في موقفها. وسادت مخاوف في إسرائيل من أن هذا التأثير، مهما كانت قوته أو ضعفه سيتلاشى مع سقوط الأسد. وعليه، ثمة من تحدث في إسرائيل عن «نافذة فرص» قد تُغلق في أعقاب استمرار الثورات في العالم العربي.
العنصر الخامس ينطلق من اعتبارات داخلية تتمثل في تراجع مكانة نتنياهو الشعبية الداخلية بسبب موجة الاحتجاجات الاجتماعية الاقتصادية التي عمت كل إسرائيل، وإضراب الأطباء واستقالة الخبراء. ويتحدث المعلقون الذين يعتقدون بتأثير الاعتبار الداخلي عن ضائقة سياسية يمر بها نتنياهو، الذي يتعرض لانتقادات حادة من وسائل الإعلام حول تردده وعدم قدرته على الحسم وكسر الجمود من جهة، ومشاكله الداخلية مع الاحتجاجات الاجتماعية من جهة ثانية. أما العنصر السادس والأخير فهو إيران، إذ تحدث البعض عن رغبة نتنياهو في تنظيف الطاولة استعداداً لتحديات كبيرة قادمة، وفي مقدمها ما يسمى في إسرائيل «الخطر الإيراني». ويستند الذين يشيرون إلى «البُعد الإيراني» في قرار نتنياهو إلى ما قاله الأخير خلال جلسة الحكومة حول تطورات المنطقة ونافذة الفرص التي توشك أن تُغلق، ويرون أن نتنياهو قصد من كلامه هذا الموضوع الإيراني بصورة أساسية، الذي يُعدّ الموضوع الساخن التالي، ومن الأفضل أن تصل إسرائيل إليه مع صورة دولة مرنة وبراغماتية مستعدة للتنازلات.