يبدو أن كلّ شيء في سوريا يُمكنه أن ينتظر: المعارك، الكهرباء، المُدن العطشى... إلّا إخلاء سكّان منطقة المزّة ــبساتين الرازي، من منازلهم وتحويلهم إلى مشرّدين تحت عنوان «إعادة الإعمار»! كانت المنطقة المذكورة واحدةً من مناطق عدّة شملها المرسوم الجمهوري الرقم 66 لعام 2012، القاضي بـ«إحداث منطقتين تنظيميّتين ضمن المصور العام لمدينة دمشق لتطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي».


وبمعنى أوضح، فإنّ الغاية من المرسوم تحويل مناطق: المزّة – بساتين، والمزّة- كفرسوسة، وقنوات بساتين، وداريّا، والقدم، من مناطق سكن عشوائي ومخالفات إلى منطقتين تنظيميّتين: تنظيم منطقة جنوب شرق المزة، وتنظيم جنوبي المتحلق الجنوبي. تنفيذ المرسوم يعني في ما يعنيه إخلاء تلك المناطق من سكّانها، وهدمها وإعادة بنائها «وفق الدراسات التنظيمية التفصيلية المعدة لها من محافظة دمشق». ومن المعروف أنّ عدداً من المناطق المشمولة بالمرسوم ما زالت ساحات معارك مفتوحة، الأمر الذي لا ينطبق على منطقة المزة – بساتين، التي تصرّ الجهات الحكوميّة على اعتبارها «منطقة محظوظة» لأنّ بداية تنفيذ المرسوم ستكون منها. أمّا الترجمة الفعليّة لهذا «الحظ»، فتعني أنّ سكّان المنطقة الذين يتجاوز عددهم 150 ألف نسمة (أكثر من 14 ألف عائلة) في طريقهم للتحوّل إلى مشرّدين بفعل «الإخلاء» الذي تطالبهم محافظة دمشق بتنفيذه على نحو شبه فوري، ودافعُها إلى ذلك: «توافر السيولة النقديّة لديها»!

«عشوائيّات بسمنة وعشوائيّات بزيت»؟

حين صدر المرسوم قبل ثلاث سنوات ضجّ سكّان المنطقة بأسئلة ومقارنات كثيرة كان على رأسها الحديث عن التعامل الحكومي مع المناطق على مبدأ «ناس بسمنة وناس بزيت»، في إشارة إلى منطقة عشوائيّات قريبة هي «المزة 86». وبمرور الوقت انتشرت تفسيرات «ورديّة» تُبشّر بأن السكّان هم المستفيد الأوّل من المشروع، وتطمينات عن عدم وجود نوايا للتنفيذ في المدى المنظور. وحتّى حين بدأت آليات المحافظة العمل في المنطقة، فقد اقتصر عملها على إنشاء مقرّ لـ«مديريّة تنفيذ المرسوم 66». كان الرهان الأساس للسكّان هو «استحالة قيام الدولة بتهجيرهم في ظل الظروف التي تمرّ بها البلاد»، وخاصّة في ظل وجود المادة 45 من المرسوم التي تؤكد التزام محافظة دمشق «تأمين السكن البديل للشاغلين المستحقين للسكن البديل خلال مدة لا تزيد على أربع سنوات من تاريخ صدور المرسوم». علاوة على مواد أخرى حدّدت مواصفات مستحقي السكن البديل، وبدلات الإيجار.

مطالب السكّان: سكنٌ بديل

فدوى (اسم مُستعار) إحدى ربّات الأسر المهدّدة بالتشريد، تشرح لـ«الأخبار» فصولاً من الحكاية «لم يكن أحد يتوقّع الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم». وتضيف: «جالوا على منازلنا وصوّروا وسجّلوا كل المعطيات بدقّة، فوجئت بالموظف يوثّق حتى سيراميك الحمّام! سألته عن الهدف فقال: تحقيق العدالة في توزيع التعويضات، إنتي كاسية بيتك بمليون ونص، غيرك ممكن يكون كاسيه بنص مليون... ولازم كل حدا يتعوّض متل ما بيحقلو». تضحك بمرارة: «يا سلام يا سلام! قلت لحالي كل الكلام اللي سمعناه عن ضياع حقوقنا حكي فاضي. وحطيت إيدي ورجلي بمي باردة». كان السكّان مطمئنين إلى فكرة مفادُها أن «المرسوم ينص على عدم إخلاء أحد إلا إلى مساكن بديلة يجري إنشاؤها في المنطقة ذاتها». والواقع أنّ المرسوم لم ينص على هذا الكلام بحرفيّته، لكن السكّان كانوا يرون أن البدء بتنفيذ المساكن البديلة سيكون إنذاراً مُبكراً بوجوب الاستعداد لمغادرة منازلهم الحاليّة. قبل شهرين ونصف شهر فوجئ الأهالي ببدء توزيع إنذارات بوجوب إخلاء المنازل. يقول أبو محمّد «راجعنا المحافظة للسؤال عن موضوع المساكن البديلة فقالوا: ما من بنى تحتية تُخدّم المساكن البديلة». ويضيف: «المنطقة محاذية لأوتوستراد المزة، وكان بالإمكان استخدام البنى التحتية لمنطقة الأوتوستراد لإنشاء مساكن بديلة ينتقل إليها السكان». تنص المادة 49 من المرسوم على وضع المحافظة «خطة لإخلاء الشاغلين وفق احتياجات تنفيذ المرسوم وفق البرنامج الزمني لتنفيذ المنطقة التنظيمية»، ما يعني الإخلاء على نحو تدريجي وبحسب البرنامج الزمني لإنجاز البنية التحتية وأبنية السكن البديلة لا أن يجري الإخلاء على نحو جماعي، لكنّ كل من تحدّثت إليه «الأخبار» من السكّان أكّد أن الإنذارات كانت «جماعيّة وشاملة لكل السكان بوجوب الإخلاء خلال شهرين من تسلم الإنذارات»، ومن دون إقامة اعتبار لأي ظرف مثل اقتراب بدء العام الدراسي مثلاً. «إذا مو فارق معهم نتهجّر، بدو يفرق معهم إنو ولادنا ما يروحو عالمدرسة؟!»، تقول إحدى السّيدات غاصّة بدمعها.

... وبدلات إيجار مُضحكة

يرفض معظم السكّان حتى الآن تسلّم الإنذارات. عددٌ قليل منهم رضخَ للأمر الواقع، وخاصة في ظل تأكيد المحافظة ومديرية تنفيذ المرسوم أنّ «عدم استلام الإنذارات لن يغير شيئاً، الإنذارات التي لم يجرِ استلامُها صارت في عهدة المختار ويُعدّ الأمر بمثابة إخطار للشاغلين». أمّا الذين تسلّموا، فبدأوا رحلة تبدو شاقة لتسلّم بدلات إيجارهم. وسيُتاح لمن يحظى بنهاية سعيدة أن يقبض آخر الأمر حوالى 30 ألف ليرة شهريّاً (100 دولار). إذ تنص المادة 44 من المرسوم على «منح الشاغلين غير المستحقين للسكن البديل ما يعادل تعويض بدل إيجار لمدة سنتين»، كما على «منح مستحقي السكن البديل ما يعادل تعويض بدل إيجار سنوي إلى حين تسليمهم السكن البديل». ويُعدّ بدل الإيجار المذكور هزيلاً قياساً بأسعار الإيجارات المرتفعة في دمشق وضواحيها، إذ يراوح إيجار شقة مساحتها 60 مترا مربعا في أبنية الـ14 بالمزة بين 50 و55 ألف ليرة. ويبلغ إيجار شقة بمساحة 75 مترا مربعا في ضاحية جديدة عرطوز حوالى 40 ألف ليرة. يضاف إلى ذلك أنّ إيجاد شقة معروضة للإيجار مهمّة شاقة وتتطلّب بحثاً طويلاً («الأخبار»، العدد 2496)، كما أن سوق الإيجارات عادةً ما تتأثّر بازدياد الطلب، ما يعني أن سعي 14 ألف عائلة إلى إيجاد شقق للإيجار في وقت واحد سيؤدي حتماً إلى ارتفاع جديد في أسعار الإيجارات، وخاصة في ظل انعدام أي رقابة حكوميّة على هذا القطاع.




لا إجابات رسميّة

يستفيض السكّان في شرح فصول من معاناتهم. في التفاصيل تختبئ شياطين الحرب مع «مافيات إعادة الإعمار» إلى شبهات «فرز ديموغرافي»، تُحوّل بعض الجهات الحكوميّة إلى «عدوّ للشعب». برغم ذلك، يواصل السكّان مساعيهم اليائسة، ألّفوا مجموعات تتناوب على مراجعة محافظة دمشق ومديرية تنفيذ المرسوم. أحد الذاهبين إلى آخر المراجعات يُعدّد لـ«الأخبار» بعض الإجابات التي سمعوها: «موظفة قالت نحن تهجرنا قبلكم ولقينا بيوت روحوا دورو عبيوت بتلاقوا". موظفة أخرى قالت: «التهجير كاس عكل الناس». ثالثٌ صرخ: بدكم تخلو يعني بدكم تخلو. مدير المشروع ونائبه لم يظهرا، وقيل لنا إنهما في اجتماع في المحافظة». أمّا تواصُل «الأخبار» مع محافظة دمشق بغية الحصول على توضيحات رسميّة فكان بلا جدوى. وبرغم إخطارنا بأنّ المحافظ (بشر الصبّان) قد «وافقَ على تقديم الردود شريطة إرسالها مكتوبةً»، غيرَ أنّ الأمر كان مشروطاً بموافقة «مديرية الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام»... التي بدورها لم توافق!