مع استعداد وفد الجامعة العربية لزيارة سوريا غداً في محاولة منه لوضع أسس إطلاق الحوار بين السلطة والمعارضة، صعّدت الولايات المتحدة من ضغوطها على النظام السوري، معلنةً عودة السفير الأميركي في دمشق، روبرت فورد مؤقتاً إلى واشنطن، بناءً على طلب الإدارة الأميركية بسبب «تهديدات جدية ضد سلامته الشخصية في سوريا»، فيما اختار النظام استباق وصول وفد الجامعة بتسريب خبر نية الرئيس السوري، بشار الأسد، ترؤس جلسات الحوار الوطني، فضلاً عن توجه لإيفاد نائب وزير الخارجية فيصل المقداد إلى الدول الخليجية الشهر المقبل لوضعها في صورة التطورات السورية.

وأكدت هاينز ماهوني، نائبة رئيس البعثة الأميركية في سوريا، لوكالة «أسوشييتد برس» أن فورد غادر سوريا، لكنه قال إن واشنطن لم تستدعه رسمياً، فيما أكد نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، مارك تونر، أن قرار عودة فورد، الذي غادر منذ السبت، «يستند كلياً إلى ضرورة ضمان سلامته، وهو الأمر الذي نأخذه على محمل الجد»، وذلك بعدما ظهرت وفقاً لدبلوماسي غربي «في وسائل الإعلام الحكومية مقالات أكثر تحريضاً من المعتاد على فورد». وأكد أنه «في هذه المرحلة، لا نستطيع القول متى سيعود (فورد) الى سوريا»، لافتاً إلى أن «ذلك سيعتمد على تقويمنا للتحريض الذي يقوده النظام السوري، والوضع الأمني على الأرض».
وأعرب تونر عن أمله في أن تنهي الحكومة السورية «حملتها التحريضية» على فورد، الذي أكدت مصادر سورية أنه ابلغ وزارة الخارجية السورية مغادرته. وشدد على أن «وجود السفير فورد داعم لبعثتنا في سوريا، حيث إنه عمل بجد لإيصال رسالتنا، وكان عيننا في الميدان».
وفي السياق، طالبت الولايات المتحدة السلطات السورية بوقف «حملة التشهير» بالسفير فورد. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، فيكتوريا نولاند، إن على الحكومة السورية أن «تنهي على الفور حملة الدعاية الماكرة والمضللة على السفير فورد». وأضافت أن تشويه وسائل الإعلام الحكومية السورية لسمعة السفير على خلفية اتصالاته مع معارضين «قد تؤدي إلى عنف ضده».
بدوره رأى المعارض السوري، لؤي حسين، أن دور فورد كان ضرورياً خلال الأزمة التي تمر بها سوريا حالياً، لتواصله مع قوى المعارضة والسلطة.
في المقابل، قالت مصادر رسمية سورية انه تم استدعاء السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى للتشاور على إثر استدعاء السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد إلى واشنطن.
وفي موازاة استدعاء فورد، انتقد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جيفري فيلتمان أمس الرئيس السوري، مؤكداً أن «على الأسد أن يفهم أنه سيدفع ثمن أفعاله التي ارتكبها ضد شعبه». وتطرق فيلتمان، في مؤتمر صحافي عقده عقب زيارة للجزائر، إلى المبادرة العربية وأكد دعمها. ولفت إلى أن «الجزائر تؤدي دوراً فعالاً في الجامعة العربية، التي سترسل وفداً إلى سوريا حتى تقدم خطة عربية تشمل النظام والمعارضة معاً، بهدف المساهمة في وقف العنف والدفع بالأمور إلى الأمام». وأضاف «نحن ندعم مثل هذه المبادرات، لكن في نفس الوقت سنواصل التعاون مع شركائنا للضغط أكثر على الرئيس بشار الأسد لكي يفهم أن هناك ثمناً سيدفعه نتيجة أفعاله ضد شعبه».
وفي السياق، ذكرت صحيفة البعث الناطقة باسم الحزب الحاكم في سوريا أن «الموافقة السورية على استقبال الوفد الوزاري العربي، رغم بعض التحفظات على تفاصيل ما جرى في القاهرة، تعني أن سوريا تتعاطى مع هذا المسعى بمرونة، ومن منطق الحرص والمسؤولية في آن واحد مع الجامعة كمؤسسة». إلا أنها أشارت الى «أن تلك المرونة لا تعني بحال من الأحوال التهاون في مواضيع حساسة وسيادية، أو قبول اقتراحات فضفاضة»، مؤكدةً على «الانفتاح والتقدير لكل جهد عربي مخلص يهدف الى المساعدة على الخروج من الحالة الراهنة».
في هذه الأثناء، أفادت صحيفة «الوطن» السورية، نقلاً عن مصادر لم تسمها، أن الأسد سيرأس المؤتمر الوطني الذي سيعقد خلال شهر بهدف «وضع حد للأزمة» التي تعيشها البلاد. وأكدت الصحيفة أنه «سيعلَن قريباً تأليف لجنة تحضيرية يترأسها نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع، ويقع على عاتقها التمهيد لمؤتمر حوار وطني موسع»، تماشياً مع ما أعلنه وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم قبل أيام، فيما نقلت مواقع سورية عن مصادر دبلوماسية ترجيحها أن يقوم نائب وزير الخارجية السوري الشهر المقبل بجولة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، استكمالاً للجولة التي قام بها طوال الفترة الماضية إلى عدد من الدول الآسيوية والعربية، بهدف إطلاع قادة هذه الدول على الأوضاع التي تشهدها سوريا حالياً، في زيارة تعد الأولى لمسؤول سوري الى دول مجلس التعاون منذ اندلاع حركة الاحتجاجات.
في غضون ذلك، يواصل وفد من المجلس الوطني السوري، برئاسة برهان غليون، مباحثاته في عدد من الدول العربية، في محاولة منه لنيل الاعتراف بالمجلس، ومن بينها قطر، حيث التقى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يوسف القرضاوي على وقع تحذيرات الأخير «من الانجرار نحو الطائفية والاقتتال المذهبي الذي يروج له النظام السوري».
وتطرق غليون إلى مطالب المعارضة السورية من الجامعة العربية، داعياً إلى ضرورة إيقاف آلة القتل اليومي، وعودة الجيش إلى ثكنه، والإفراج عن كل المعتقلين، وأن يجري التفاوض بعد ذلك في آلية نقل السلطة بطريقة ديموقراطية.
تأييد يبدو أنه سيبقى بعيد المنال في الوقت الراهن، بعدما رحبت القمة الأوروبية المنعقدة ببروكسل بجهود المعارضة السورية الرامية إلى توحيد صفوفها، ووصفت إنشاء «المجلس الوطني السوري» بأنه خطوة إيجابية، من دون أن تصرح بما يشير إلى قرب نيتها الاعتراف به، على الرغم من تجديدها مطالبة الأسد بـ «التخلي عن السلطة لفتح الطريق للإصلاحات السياسية».
(أ ب، أ ف ب، يو بي آي، رويترز)