دمشق | أحداث وتفاصيل كثيرة، كان بطلها السفير الأميركي لدى دمشق روبرت فورد، قبل مغادرته الأراضي السورية، في وقت يتميز بالتوتر، بعد مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي، واستمرار حركة الاحتجاج الشعبي في مختلف المناطق والمحافظات السورية، في ظل ازدياد القبضة الأمنية لأجهزة الأمن السورية.

وكان فورد قد فاجأ الجميع في شهر تموز الماضي، عندما أجرى زيارة مع السفير الفرنسي لدى سوريا إريك شوفالييه، لساحة العاصي في مدينة حماه، التي كانت تشهد أكبر الاحتجاجات الشعبية.
وفي ذلك الوقت حاولت وسائل الإعلام الرسمية التقليل من شأن هذه الزيارة، رغم إدراجها في خانة «التدخل في الشؤون السورية الداخلية، ومساعدة العصابات المسلّحة وتشجيعها على المزيد من أعمال العنف والتخريب».
وتعدّدت بعدها القراءات والسيناريوات لكل من المعارضة السورية بكافة أطيافها واتجاهاتها، والنظام السوري وأجهزته على حد سواء، بشأن حقيقة هذه الزيارة، لكنّها لم تخرج من إطار اعتراف السياسة الأميركية، بشرعية الاحتجاجات ومطالبتها بإسقاط النظام من رأس هرمه، من دون أن يكون هناك اعتراف مباشر من فورد أو خارجيته، بحصول لقاءات مع قادة الاحتجاجات في مدينة حماه، وتقديم المساعدة والدعم المعنوي والمادي لهم.
أثارت هذ الزيارة بالطبع العديد من إشارات الاستفهام، الأولى تتعلق بجملة من المسائل الأمنية، التي رافقت اجتياز السفير الأميركي للعديد من الحواجز الأمنية التي تطوّق مداخل المدينة ومخارجها، والثانية بحصول الزيارة رغم تحديد السلطات السورية تحركات السفراء الغربيين «بمنطقة لا تتجاوز 25 كيلومتراً عن أماكن إقامتهم وعملهم في العاصمة دمشق»، فضلاً عن الاحتفالات الشعبية التي قوبل بها فورد ورفاقه من متظاهرين لم يكترثوا بالتهديدات الأمنية.
ولم تتوقف ممارسات السفير الأميركي عند هذا الحد، بل ظهر مجدداً في 13 من أيلول الماضي برفقة 5 سفراء غربيين، في بيت العزاء الذي أُقيم للشاب غياث مطر في بلدة داريا القريبة من العاصمة دمشق، بعد مقتله تحت التعذيب وتعرض جثمانه للتمثيل. وأعقب هذه الزيارة اقتحام وحدات من الأمن السوري لبيت العزاء، وإطلاق قنابل مسيلة للدموع وأعيرة نارية خوفاً من وصول المتضامنين والمتظاهرين إلى المنطقة.
وأيّدت الخارجية الأميركية في ذلك الحين خطوة سفيرها، وقالت المتحدثة فيكتوريا نولاند إن «الولايات المتحدة تدين بأشد العبارات الممكنة مقتل الناشط في مجال حقوق الإنسان غياث مطر خلال اعتقاله»، ما أعطى تفسيراً منطقياً لهذه الزيارة، التي هدفت إلى تسليط الضوء عليها دولياً، واستثمارها في جميع المحافل العالمية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان.
لم يخف السفير الأميركي قبل مغادرته دمشق علاقته ولقاءاته المستمرة، مع بعض رموز المعارضة السورية، لمناقشة مجمل النشاطات واللقاءات والمؤتمرات التي أُقيمت داخل الأراضي السورية أو
خارجها.
وفي إحدى زياراته الأخيرة لمكتب المحامي والمعارض السوري، حسن عبد العظيم، المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي، تعرض فورد لهجوم من فرق «الشبيحة» والموالين للنظام وسط دمشق. ورشقت هذه الجماعات سيارته بالبندورة والبيض احتجاجاً على «التدخل السافر في الشؤون الداخلية السورية». هذه الحادثة إن دلت على شيء، فإنما تدلّ على أن جميع تحركات السفير الأميركي كانت مراقبة من أجهزة الأمن والاستخبارات السورية.
أما قرار مغادرة السفير الأميركي دمشق، فهو إعلان صريح ومباشر لبداية مرحلة جديدة من العلاقة مع سوريا، في ظل التطورات الكبيرة والمتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، ومقتل القذافي، واجتماع جامعة الدول العربية لمناقشة تطورات الأزمة السورية، وتصاعد الاحتجاجات.