منح العقيد الليبي معمر القذافي مدينة سرت ميزات عديدة، بينها احتضانها لمقارّ الوزارات والمؤتمرات الشعبية، وتحويلها إلى مقصد لقادة العالم يشدّون إليها الرحال كسباً لرضى «الاخ القائد» ونفطه، وربما تحولت إلى عاصمة القارة السمراء التي كانت تجتمع في المدينة لتعقد قممها الشهيرة.

كل هذا الألق غاب واحترق اليوم، لتتحول إلى خراب لم يبق فيها شيء يدل على الماضي المزدهر للمدينة التي باتت شاهداً على جنون كتائب العقيد الراحل من جهة، وعلى رصاص الانتقام من كل ما يحمل أثر القذافي. مدخل سرت للآتي من طرابلس، يوحي بما سيراه الزائر في الداخل: لا وجود لسكان، فالكل نزح. يُسمع بين الوقت والآخر صوت الرصاص، ونعرف لاحقاً أنها عمليات تطهير لبقايا ميليشيات القذافي.
في شوارع سرت تختلط المياه بالدماء والرصاص الفارغ وطيور الرمة ورائحة الجثث التي لم تُنتشل بعد، فيما يقوم بعض المقاتلين بتنظيف مناطق أخرى وترميمها، تمهيداً لعودة الأهالي إليها في القريب العاجل.
في وسط المدينة يقع مجمع واغادوغو الضخم للمؤتمرات، حيث عقدت اجتماعات اللجان الشعبية وقمم الاتحاد الأفريقي، وفيه تمركز موالو القذافي معه قبل أن تدور معارك شديدة أدّت إلى سيطرة الثوار عليه. وغير بعيد عن المجمع تقع جامعة سرت. لعل الخراب هنا أقل من مركز المؤتمرات، لكنه مشابه لما حصل لمستشفى سرت الرئيسي.
إلى الشمال تتموضع عشرات القصور التي كانت أكثر من فخمة. هنا كان يقيم أبناء القذافي ورجال الأعمال المقربون منه. تعددت القصور والنتيجة واحدة: الدمار، لكنه دمار متعمد. يقول أحد المقاتلين: «أنا بنفسي أحرقت هذا المنزل، وهو للمعتصم القذافي. هذا الرجل وإخوته وحاشيتهم كانوا ينعمون هنا برغد العيش، فيما نحيا نحن في قلب الفساد والقمع». ويضيف أن «المعتصم نفسه مسؤول عن قتل ثلاثة من أشقائي إثر اعتقالهم في بدايات الثورة بعد أن زج بهم في سجن بوسليم، ولو كنت مع الكوكبة التي ألقت القبض عليه لفعلت به أكثر مما فعل بجثة أبيه». يقول مقاتلون إن حصار المدينة الخانق وخروج الأهالي منها سهّلا كثيراً قيادة العمليات. ففي ليل الخميس الماضي، دارت اشتباكات عنيفة في محيط الحي الثاني، فاتخذ العقيد قرار التوجه نحو مكان آخر مع ساعات الفجر الأولى، لكن الثوار تمكنوا من تعقب السيارة التي فر فيها والتي غادرها فوراً لدى إطلاق النار عليها، حيث ألقي القبض عليه.
يضيف أحد المقاتلين: «كل الروايات التي تحدثت عن أنه غير واع أو مريض غير صحيحة ولم يصب بأذى حتى لحظة الإمساك به. وكان هناك اتفاق أولي بين الفرقة التي اعتقلته على أن تسلّمه حياً للمجلس الانتقالي، لكن حالة من فقدان الأعصاب انتابت المحيطين به ليشبعوه ضرباً بأرجلهم وبأعقاب البنادق وهو يحاول المقاومة قبل أن يغرق في دمائه ويُسحب إلى مقربة من سيارة ويطلق عليه النار على نحو فردي ومباغت في الرأس والبطن». لا يعلم أحد هوية من أعدم الطاغية، فالكل يصيح بأنه البطل، وأثار ذلك استياءً شديداً في طرابلس بسبب مقتله بهذه الطريقة، وخصوصاً مع تعهد رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل محاكمة عادلة وتحذيره من الروح الانتقامية. وماذا عن المعتصم؟ يتابع الرجل: «كان في داخل المدينة ولم يغادر مع والده، وكان هو من يدير المعارك؛ لكون معظم الكتائب الأمنية في سرت هي تحت سيطرته. اُلقي القبض عليه في داخل الحي الثاني في سرت مع مجموعة من حراسه، بينما كان القذافي الأب يفرّ هارباً، وقد أبدى مقاومة عنيفة قبل أن يُعدم هو الآخر بطريقة انتقامية وبالرشاش، لتتركز الإصابات بين الصدر والرقبة. ولاحقاً، أعلمنا الثوار في الحي الثاني بأنهم قبضوا عليه وقتلوه لنرسل جثته في سيارة آخرى إلى مصراتة».
أما مصير سيف الإسلام، فيبدو حديث المقاتلين عن تمكنه من الفرار من المدينة. بينما كان الجميع مشغولين بالقذافي الأب، خرجت ثلاث سيارات مصفحة باتجاه الجنوب، تمكن الثوار من تعقبها، لكنها كانت تطلق النار بعنف تجاه كل من يحاول الاقتراب منها، وقد احتمى بقبيلته والقبائل الموالية له في الصحراء. يعني ذلك أنه سيبدأ قريباً بعمليات الثأر لدم أبيه بعد أن أصبح، وفق الأعراف القبلية، وريث العائلة والمسؤول عن اسمها، فيما لا صحة لمعظم ما جرى تداوله عن توقيفه أو إصابته بأي طلق ناري. ويضيف أحد المقاتلين أن محتويات المصرف المركزي في سرت لم تعد موجودة، مشيراً إلى دور لكتائب القذافي في سحبها.
طارق...