تونس | عاشت تونس، أمس، أجواء تسريبات وتخمينات نتائج انتخابات يوم الأحد التاريخي للمجلس التأسيسي، وسط تأجيل إعلان النتائج الرسمية حتى اليوم. وقد أفادت المعطيات الأولية بحصول مفاجآت من جهة، وتحقق توقعات منطقية من جهة أخرى مع تأكُّد فوز إسلامي غير كاسح، وغير محصور بحزب أو بحركة واحدة؛ فقد اتفقت الأجواء على الاعتراف بتقدُّم حركة النهضة الإسلامية بحصولها على نحو 40 في المئة من الأصوات، يليها حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» بنحو 15 في المئة، ثم «التكتل من أجل العمل والحريات» بنسبة تصل إلى 12 في المئة، فيما تصدّرت «العريضة الشعبية» ـــــ وهي قائمة انتخابية مستقلة يرأسها الهاشمي الحامدي ـــــ المفاجآت، بحصولها على نحو 10 في المئة من الأصوات، بينما أعلنت أحزاب أخرى هزيمتها، وخصوصاً الأحزاب ذات الإيديولوجيا اليسارية وأبرزها «القطب الديموقراطي الحداثي»، فيما ينتظر أن تعلن فيه تحالفات براغماتية في نطاق تكتلات وفاقية داخل المجلس بين العلمانيين والإسلاميين.

و«حركة النهضة» الإسلامية، وإن كانت قد عبّرت منذ انتهاء عمليات التصويت عن ثقتها بالفوز بـ«نصيب الأسد» من مقاعد المجلس التأسيسي، إلا أنها لن تكون قادرة على بلوغ نسبة الغالبية المطلقة، ويبقى أمامها التحالف مع حزب أو أحزاب سياسية ذات توجهات علمانية، قد يكون حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» أحدها، هذا إن قررت عدم التحالف مع «حزب التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات» برئاسة مصطفى بن جعفر الذي يمكن أن يحقق المركز الثالث في الانتخابات، خلف حزب منصف المرزوقي «المؤتمر من أجل الجمهورية». ولعل هذه التسريبات جعلت «النهضة» تستعجل في إعداد العدة للاحتفال أمام مقر الحركة في تونس العاصمة.
تلك الفرحة بدت ظاهرة ليلة الانتخابات على محيّا أحد أعضاء المكتب السياسي للحركة سمير ديلو في سهرة الانتخابات على قناة تونس الوطنية، حيث بدا واثقاً من النصر مقارنةً مع الأمين العام للحزب الديموقراطي التقدمي، أحمد نجيب الشابي، الذي كانت بالفعل أساريره مكفهرّة. هكذا بدت «أجواء الديموقراطية» الجديدة في تونس، في أول خطوة نحو الحرية التي انطلقت في ثورة 14 كانون الثاني الماضي. أحد العلمانيين في أحد النوادي الليلية قال لـ«الأخبار» إنه اختار «النهضة» لأنها ستقضي على المحسوبية والفساد الذي سبب طرده من وظيفته الحكومية في تسعينيات القرن الماضي، معرباً عن ثقته بأن «النهضة» ونهجها الإسلامي سيحققان له الانعتاق، بما أن هؤلاء «يخافون الله» وسيحققون العدل المنشود من الثورة. آخرون رأوا أن انتصار «النهضة» جاء بفضل تنظيمها السياسي المحكم في الانتخابات، لا بسبب تأثير الكاريزما السياسية للشيخ راشد الغنوشي. لكن أنباء انتصار الحركة الإسلامية «لم تكتمل» إلا مع بروز بوادر حصول «حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» لأمينه العام المنصف المرزوقي (يسار الوسط)، والمتأثر بالفكر القومي والهوية الإسلامية، على حصة كبيرة من الأصوات، وخصوصاً في ظل الأنباء التي تحدثت عن احتمال عقد تحالف بين الطرفين في المجلس التأسيسي، وفق ما اعترف به أحد أعضاء المكتب السياسي لـ«النهضة» في حديث مع «الأخبار». هذا «الزواج» يمكن أن ينتج تكتلاً في صلب المجلس التأسيسي، قد يمكّن الطرفين من اقتسام كعكة الفترة التأسيسية في حال عدم امتثال الحركة لما جاء في برنامجها الانتخابي، الذي ينص على إنشاء حكومة وحدة وطنية، وهو الذي شدد عليه المنصف المرزوقي.
إلى ذلك، حلّ في المركز الثالث حزب «التكتل» (وسط) ذو النزعة الليبرالية كقوة علمانية ثانية. وأوحت تصريحات أمينه العام مصطفى بن جعفر بأنه مستعد لـ«أي شيء»، ما يعني أن باب التحالف مع «النهضة» مفتوح بالنسبة إلى التكتل، وخاصة أنه يتبنى مقاربة ثقافية قريبة من «المؤتمر من أجل الجمهورية»، وتركّز على الهوية العربية الإسلامية لتونس، على أن تكون «منصوصاً عليها في الدستور».
وفي ترجمة سريعة لهذا الكلام، كشف القيادي في «النهضة»، علي لأريض، أن حركته مستعدّة للتحالف مع حزبي المنصف المرزوقي ومصطفى بن جعفر، «المؤتمر من أجل الجمهورية» و«التكتل»، مبرراً ذلك بأن هذين الحزبين «غير بعيدين عن رؤيتنا وحصدا جزءاً كبيراً من الأصوات».
وتبقى المفاجأة الأكبر هي صعود قائمة «العريضة المستقلة» لزعيمها هاشمي الحامدي، وهو سياسي تونسي إسلامي التوجه منشق عن «النهضة» منذ التسعينيات ويعيش في المهجر البريطاني، ويملك قناة «المستقلة» التلفزيونية، رغم أنه لم يبرز كثيراً خلال الحملة الانتخابية، وسبق له أن تعهّد العودة إلى تونس كرئيس للبلاد، وسينقل العاصمة من تونس إلى القيروان.