أعلنت حركة «النهضة» ذات الخلفية الإسلامية، أمس، أنها تريد تأليف الحكومة الانتقالية المقبلة «في غضون شهر»، كاشفةً أن المشاورات السياسية جارية لتحقيق هذا الهدف ولتأليف التحالفات المطلوبة. وقال زعيم الحزب راشد الغنوشي لإذاعة «اكسبرس أف أم»، رداً على سؤال عن تأليف الحكومة، إنّ «الحزب الحاصل على الغالبية هو الذي يؤلف الحكومة، هذا هو الوضع الطبيعي». وسبق لعضو المكتب التنفيذي للحزب، نور الدين البحيري، أن كشف عن اختيار الأمين العام للحركة، حمادي الجبالي، لتأليف الحكومة العتيدة، علماً بأن وكالات الأنباء العالمية أجمعت على أن المهندس والصحافي السابق حمادي الجبالي (62 عاماً)، الذي سبق له أن أمضى 16 عاماً في السجن في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، يُعَدّ الوجه المعتدل لإسلاميي «النهضة»، ومعروف عنه أنه المفضَّل بالنسبة إلى العواصم الغربية، بحسب وكالة «فرانس برس». وعن المدة الزمنية المطلوبة لتأليف الحكومة الجديدة، أشار الغنوشي إلى أنها «يجب ألا تزيد على شهر». وجدد الطمأنة إلى أن حزبه يؤيّد قيام تحالف وطني واسع، لافتاً إلى ترحيبه بالتشاور، خصوصاً مع «الحزب الديموقراطي التقدمي» بزعامة نجيب الشابي، إضافة إلى حزب العمال الشيوعي التونسي بزعامة حمة الهمامي. يذكر في هذا السياق أن الشابي سبق له أن رفض قبل يومين فكرة التحالف مع حركة الغنوشي. ورداً على سؤال بشأن من سيتولى منصب الرئيس الانتقالي خلفاً لفؤاد المبزع، أجاب الغنوشي: «شخص ناضل ضد الديكتاتورية» من دون أن يحدد أي اسم. ويُتداول بثلاثة أسماء لهذا المنصب هم مصطفى بن جعفر زعيم «التكتل من أجل العمل والحريات»، ومنصف المرزوقي زعيم «المؤتمر من أجل الجمهورية» (مرشحان تطرحهما «النهضة» بحسب الجبالي)، وأحمد المستيري المعارض التاريخي للحبيب بورقيبة وعضو المجلس التأسيسي لعام 1956.

وكان من المفترض أن يعلن أمس الموعد النهائي للنتائج الرسمية للانتخابات، لكن أيضاً أُجّل الأمر لأسباب تقنية تتعلق بالتثبّت من النتائج، وخصوصاً تلك الوافدة من المحافظات والبلدات النائية. وبحسب حصيلة أعدّتها وكالة «فرانس برس» بناءً على نتائج 15 دائرة (من أصل 27)، فإن النهضة حصلت على 44 مقعداً من أصل 217. وبإضافة 9 مقاعد حصّلتها في الخارج، تكون الحركة الإسلامية قد ضمنت 53 مقعداً حتى الآن. ومن الدوائر التي لم تعلن نتائجها حتى الآن، ولايات تونس الكبرى الأربع ذات الثقل الانتخابي الحاسم.
وعلى الفور، بدأت «النهضة» بوضع الخطوط العريضة التي ستسيّر عملها في الحكم، وذلك على لسان مرشحها لرئاسة الحكومة الجبالي نفسه، الذي أشار إلى أن حزبه لن يفرض قيوداً على ملابس السائحات الأجنبيات على الشواطئ التونسية، إضافة إلى أنه لن يفرض قواعد مصرفية إسلامية. وبرر الجبالي الأمر بأن القطاع السياحي يعدّ من «المكتسبات التي لا مجال للمساس بها»، متسائلاً «هل من المعقول أن نصيب قطاعاً حيوياً مثل السياحة بالشلل بمنع الخمور وارتداء لباس البحر وغيرهما من الممارسات؟ هي حريات شخصية مكفولة للأجانب وللتونسيين أنفسهم». وتابع «لن يجر تعميم المصارف الإسلامية وإلغاء النظام المصرفي الذي تعمل به تونس، ولا تحديد نشاط رجال الأعمال بل دعمهم في جلب الاستثمارات العربية والأجنبية».
وما نسي الجبالي ذكره، فقد شدد عليه الغنوشي نفسه، عندما لفت إلى أن «التعريب أساسي» من وجهة نظر حزبه، وأنه «ضد التلوّث اللغوي» رغم تشجيعه على تعلم اللغات الأجنبية. ووصف الغنوشي وضع تونس اليوم بأنها تعاني من «تلوّث لغوي» لكونها أصبحت «نصف عربية نصف فرنسية»، خالصاً إلى ضرورة «تشجيع تعلم اللغات، وخصوصاً أكثرها حيوية، من دون أن نفقد هويتنا». وعن دور المساجد التي يقول خصوم «النهضة» إنها تستغلها للدعاية الحزبية، ردّ الغنوشي: «لا ينبغي للمساجد أن تكون منابر لأحزاب، ويجب تحييدها عن الأحزاب والتحزّب»، قبل أن يستدرك بأن «خوض الإمام في مسائل سياسية ليس محرماً، فهو ينبّه ويوجه الناس في خطبه لكن دون أن ينتصر أو ينحاز إلى حزب دون آخر أو لشخص دون آخر».
اقتصادياً، سعى الغنوشي إلى طمأنة الأسواق أيضاً، فاجتمع مع مسؤولين تنفيذيّين من البورصة، لافتاً إلى أن «الحكومة التي ستتألف ستكون صديقة للسوق».
وقد نالت «النهضة» شهادة حسن سلوك من زعيم «المؤتمر من أجل الجمهورية»، المنصف المرزوقي، المرجّح حلوله في المركز الثاني، عندما رأى أن «النهضة ليست الشيطان ولا طالبان تونس» حتى يُتحاشى التعامل معها. وخلال إعرابه عن فخره بالنتائج التي حققها حزبه، جزم بأنه متمسّك «بهويتنا العربية الإسلامية، لكننا نرفض استغلال الدين كوسيلة استبدادية». كلام مشابه عبّر عنه بن جعفر الذي حذّر من أن «أيّ استقطاب ثنائي بين الإسلاميين والحداثيين سيكون مليئاً بالمخاطر في المرحلة الحالية».
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز)